انتقل إلى المحتوى الرئيسي
محليات

تمكين الكفاءات الصحية في القطاع الخاص: من التوظيف إلى صُنع القيمة

تمكين الكفاءات الصحية في القطاع الخاص: من التوظيف إلى صُنع القيمة

المسألة الجوهرية لا تتعلق بعدد السعوديين العاملين في القطاع الخاص، بل تُقاس بحجم القيمة التي يضيفونها ونسبة القادة الصحيين الوطنيين الذين يتولون مهام التشغيل، التطوير والابتكار.

تحول جديد في القطاع الصحي الخاص

يشهد القطاع الصحي الخاص في المملكة مرحلة مختلفة عن ما كان عليه سابقًا، خاصة بعد دخول شركة الصحة القابضة إلى الساحة. لم تعد المنافسة تُقاس بالمباني أو الأجهزة أو المواقع الجغرافية، بل باتت ترتكز على جودة الكفاءات. وعلى الرغم من وجود آلاف الخريجين والأطباء والممارسين المؤهلين، لا يزال بعض المؤسسات تنظر إلى التوطين كالتزام تنظيمي دون استغلاله كفرصة استراتيجية.

من شغل الوظيفة إلى بناء المسار المهني

التمكين الحقيقي يبدأ بالتحول من مفهوم «شغل الوظيفة» إلى «بناء المسار المهني». كثير من الكفاءات السعودية لا يغادرن القطاع الخاص بسبب الرواتب فحسب، بل بسبب غياب رؤية واضحة للنمو الوظيفي. الموظف الذي لا يدرك أين سيكون بعد خمس سنوات يميل إلى الانسحاب قبل نهاية العام الحالي.

ثلاث مسارات مقترحة للمرحلة القادمة

أولاً: ربط التوطين بالتطوير وليس بالتوظيف فقط. يمكن للجهات التنظيمية تقديم حوافز إضافية للمؤسسات التي تثبت نجاحها في تأهيل الكفاءات السعودية مهنياً، وليس مجرد توظيفها. المؤسسة التي تنجح في إعداد قيادات وطنية وتطبيق برامج زمالة وتدريب متقدمة يجب أن تُعامل بصورة متميزة عن تلك التي تحقق نسب توطين شكلية.

ثانياً: إنشاء مسارات قيادية وطنية داخل القطاع الخاص. رغم أن العديد من المستشفيات تمتلك برامج لتطوير الكفاءات السريرية، إلا أنها تفتقر إلى برامج إعداد القادة. لماذا لا تُطلق مبادرات مشتركة بين التجمعات الصحية، القطاع الخاص وشركات التأمين لتأهيل المدير الطبي القادم، الرئيس التنفيذي، أو مدير الجودة؟ إن الاستثمار في القادة اليوم سيحدد ملامح القطاع خلال عقد من الزمن.

ثالثاً: الانتقال من التوظيف إلى الشراكة. الكفاءات السعودية لم تعد تبحث عن وظيفة فقط، بل عن فرصة للمشاركة في اتخاذ القرار وتحقيق الإنجاز. يمكن للقطاع الخاص تبني نماذج جديدة تشمل حوافز مرتبطة بالأداء، برامج ابتكار، ومشاركة في مشاريع تطويرية، ما يعزز الإحساس بالانتماء والملكية المهنية.

رؤى متوسطة وطويلة الأمد

على المدى المتوسط، تحتاج المملكة إلى منصة وطنية موحدة ترصد حركة الكفاءات الصحية بين القطاعات. نمتلك اليوم بيانات عن عدد الخريجين، لكن لا توجد صورة دقيقة عن دوافع انتقالهم أو بقاءهم أو خروجهم من سوق العمل. إن اتخاذ سياسات ناجحة يبدأ بوجود بيانات دقيقة.

أما على المدى البعيد، فيجب أن يصبح تصدير الخبرات الصحية السعودية هدفًا وطنيًا بحد ذاته. إذا نجحنا في بناء كوادر قادرة على المنافسة إقليميًا وعالميًا، فإننا لن نقتصر على حل مشكلة التوظيف فحسب، بل نخلق صناعة معرفة صحية سعودية تمتد آثارها إلى خارج حدود المملكة.

في الختام، لا يُعد تمكين الكفاءات الصحية السعودية مجرد ملف موارد بشرية، بل هو مشروع وطني يرتبط بجودة الرعاية الصحية، استدامة القطاع وقدرته على المنافسة. النجاح يتحقق عندما تتجاوز نسبة التوطين مجرد رقم، وتصبح الكفاءة السعودية الخيار الأول بفضل قدرتها على الإنجاز والابتكار والقيادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني

للنشر و الاعلان