انتقل إلى المحتوى الرئيسي
محليات

مفهوم ‘الهابيتوس الصحوي’ وتأثيره في المجتمع السعودي: تحليل اجتماعي لظاهرة التطبع الفكري

مفهوم ‘الهابيتوس الصحوي’ وتأثيره في المجتمع السعودي: تحليل اجتماعي لظاهرة التطبع الفكري

يُعرَّف ‘الهابيتوس’ بأنه تطبع لا إرادي في الفهم والذوق وردات الفعل، ينشأ عن ‘بارادايم’ فكري يبدأ مع النشأة ويشكل نظرة الفرد للحياة والمجتمع. والبارادايم هو منظومة مفاهيم متماسكة أيديولوجياً، وليست بالضرورة متماسكة علمياً أو دينياً، يعيش المجتمع في ظلها لسنوات طويلة فتتحول إلى هابيتوس وجداني وسلوكي مهيمن على اللاوعي ومنعكس على الوعي. قد تتغير المنظومة المفاهيمية – مثل الموقف من قيادة المرأة للسيارة – لكن الهابيتوس الذي زرعته في الوجدان حول المسموح والمحظور لا يزول كله فوراً، بل يبقى لسنوات وعقود أحياناً، صانعاً وسواساً قهرياً على الذات عند من يخالفه.

الهابيتوس الصحوي في مواجهة الفنون

يقيم شخص في فندق فاخر ويتفاجأ عند استلام الغرفة بلوحة فنية أنيقة تحوي صوراً لذوات أرواح، فيتضايق لا إرادياً من النوم في الغرفة ويصنع إشكالاً مع إدارة الفندق أو يفاوض لتغييرها إلى غرفة لا تحوي تصاوير لذوات الأرواح. إذا لم تستوعب إدارة الفندق البارادايم الذي عاش فيه من يعاني الهابيتوس الصحوي، فقد يردون عليه بما يظنون أنه يحرجه فنياً فيقولون له مثلاً: ‘إنها مطبوعات كانفس لأعمال عالمية’، وهنا تظهر أزمة الهابيتوس الصحوي ضد الفنون بأنواعها، لأنه أصلاً يستغفر من الموسيقى في بهو ومطعم الفندق، لكنه يتصالح مع نفسه بقوله: ‘الضرورات تبيح المحظورات’، لكنه لا يقبل الصورة المعلقة في الجدار. بعد ذلك يناقش نفسه والموقف الذي وقع فيه، فيعتاد في سفرياته الأخرى أن ينزع اللوحة من الجدار ويضعها مقلوبة على وجهها في دولاب الفندق أو تحت السرير حتى خروجه دون ضجة وحرج.

البارادايم والهابيتوس في الموقف الفقهي والمصطلحات الدينية

يظهر البارادايم والهابيتوس أيضاً في الموقف من أغاني أم كلثوم عند فقيه أزهري مصري وفقيه من بيئة أخرى، بل ويفسر ما تتداوله المدارس الفقهية عن الإمام الشافعي قبل مصر وبعدها. ومن هنا نفهم كيف استخدم أحد علماء المدرسة السلفية النجدية مصطلحاً قد يتجنبه الأحفاد للمدرسة نفسها، وأقصد كلمة ‘الضريح’ ودلالتها الحديثة مقارنة بعقود سابقة، تجعل السلفي التقليدي الحالي يتساءل: لماذا لم يجد المؤلف رحمه الله عنواناً آخر غير ‘السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة’ متناسين البارادايم الذي عاش في ظله المؤلف منتصف القرن الثالث عشر الهجري بمكة المكرمة، مما أنتج هابيتوساً لا يأخذ مفردة ‘ضريح’ بالحساسية الموجودة لدى السلفية التقليدية الحالية.

الكتلة الصلبة للهابيتوس الصحوي وتأثيرها على التسامح المذهبي

الكتلة الصلبة للهابيتوس الصحوي هم الجيل الذي نشأ منذ نعومة أظفاره داخل أيديولوجيا الصحوة، ولم يدركوا الفترة التاريخية التي قبلها. فجيلي مثلاً (مواليد 1973م) – ومن تجربتي التي عشتها طفلاً – كنت أصلي مع والدي في مسجد حارتنا بإحدى مدن جنوب المملكة، وكان هناك يمنيون كثيرون آنذاك يصلون معنا، وكنت أراهم يقفون معنا متوزعين بتلقائية بيننا في الصفوف وهم (مسبلو الأيدي) في الصلاة دون نكير من أحد، كما لو كان مسجد الحي مثل الحرم المكي في تنوع طوائفه ومذاهبه يصلون الفروض وراء إمام واحد، حتى جاء البارادايم الصحوي، فاختفى التسامح المذهبي بين الناس وشربوا ‘سم الطائفية’. ولا يعني هذا صك براءة لجيلي، فقد خرج من كان زميلاً لي في كلية الشريعة ليصبح مفتياً لداعش ويقتل في أحد معاركها. راجع محرك البحث تحت عنوان ‘مقتل مفتي داعش 2015’.

أجيال أقل تصلباً وتداخل الصحوة بالإرهاب

هناك جيل أقل تصلباً وأخف في أعراض الهابيتوس الصحوي، وأقصد الجيل الذي نشأ وترعرع مع دخول الفضائيات والإنترنت، فهم أقل حدة من سابقيهم. وما أعرضه هنا هو محاولة لإيصال الفكرة بشكل مبسط وعام، أكثر من حرصي على الدقة المنهجية التي تقتضيها أبحاث علم الاجتماع. أما من يقول: كيف نخلط الصحوة بالإرهاب، فإنه يتجاهل أن أحد أكبر زعماء الصحوة المعروفين تحمس لصالح الإرهابيين في حقبة مضت – لا أعادها الله – فطرح نفسه وسيطاً للتفاوض بين وزارة الداخلية والإرهابيين، مما ليس هنا محل تفصيله لمن لا يستطيع النظر في حقيقة مشهد كان يتداوله جناح صحوي سياسي بالكر والفر عبر البيانات وجناح عسكري بالعمليات الإرهابية. فهل نسينا ممانعتهم المبدئية في تسمية من يقتل رجال الأمن بالإرهابي، حفاظاً منهم على مصطلحهم الأثير (المجاهدين، الاستشهاديين… الخ)؟ وللحديث بقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني