انتقل إلى المحتوى الرئيسي
منوعات

تأملات سلمان الفارسي: رحلة البحث عن جماعة مخصوصة بعد النبي

تأملات سلمان الفارسي: رحلة البحث عن جماعة مخصوصة بعد النبي

لم يكن سلمان الفارسي من الذين يخفون النفاق، لكنه حين كان حارسًا للنار المقدسة في أصفهان ولم يجد فيها الخلاص، رحل إلى بلاد الروم حيث التقى راهبًا من عمورية. سأله عن دين النبي العربي وعن حراس معبده، فأجابه الراهب: “إنه يجعل الأرض مسجدًا، ولا سدنة عنده، ويكلمه الله وهو على حصير بيته وفي فراشه”. فتعجب سلمان قائلاً: “أيوجد دين هكذا؟”، وظن أن الراهب لا يفقه ما يقول.

لقاء مع نبي العرب

عندما سافر سلمان إلى الحجاز ليرى نبي العرب، اندهش من دين لا يعرف كهنوتًا ولا معمارًا. لكن عقله الساساني، حين لاحظ الطاعة المطلقة للصحابة تجاه نبيهم، فسر هذا الالتفاف العفوي بتأويل فارسي. ظن أنه يشهد بداية إعداد لجماعة مخصوصة ستحول الدين إلى صرح مشيد مثل صروح الأديان الأخرى، ورأى أن غياب السدنة ليس إلا تأجيلًا تقتضيه البدايات. بعد إسلامه، بقيت صورة الدين الفارسي في مخيلته، وبدأ يكتب تأملاته عن الإسلام من هذا المنطلق، وكأنه يجيب عن سؤال: كيف سيكون الإسلام بعد وفاة النبي؟

تأملات فارسية في مستقبل الإسلام

كان أول تأملاته أن الفرس، إذا دانوا بدين، يؤمنون بأن من أهداف النبي إعداد جماعة مخصوصة تقود المجتمع بعد وفاته لضمان نمو الدين نموًا سليمًا. فهم سلمان من ذلك أن الإسلام، بصفته دينًا، سيسير بهذه الطريقة الفارسية. راح يراقب أفعال النبي، لكنه وجدها كفعل العرب تنبثق من الأفق ذاته للزمن والمستقبل؛ فالعربي يأنف من الهياكل المغلقة والمراتب الصارمة التي تحاول إحكام قبضتها على مآلات الأمور قبل وقوعها، ويبني بيته ومسجده بطين وجذوع نخل عمرها لا يخلد كما هو معمار الأمة الفارسية، ويرى المستقبل فضاءً مفتوحًا تنهض به خصال الرجال في عز المحن، وتنسجم مع ديناميكية جزيرة العرب التي تخرج قادتها طبيعيًا كما تخرج الأرض الماء.

ورغم ذلك، أقنع سلمان نفسه بأن ما رآه ليس إلا قشرة، أما النواة الصلبة فلابد أن تظهر لاحقًا. فواصل كتابة تأملاته على أساس فارسي، وكتب تحت الموضوع الأول شذرة شارحة مستعيرًا مفهوم “القلب الكوني” من عقيدة الفرس التي ترى أن مجيء النور هو إبادة للظلمة، قائلاً: “لا يمكن لدين إلا أن يكون انقلابيًا على كل ما سبقه، ولا يستمر هذا الانقلاب إلا بإعداد جماعة مخصوصة تحافظ على النهج النبوي”.

الجماعة المخصوصة وأسفار الفرس

ظلت فكرة الجماعة المخصوصة راسخة في عقلية سلمان حتى حين أيقن أن النبي مات ولم يجهز الجماعة تجهيزًا لا لبس فيه. كتب: “إن النبي لما خطب بنا في الحج قال: (لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا)، وهذا يعني أن الموت لم يفاجئه، فلماذا إذن لم يجهز جماعة تقود الدين من بعده درءًا للخلاف الذي جرى بعد وفاته؟”.

عاد سلمان إلى أسفار الفرس العرفانية، ووجد النبي “ماني” يقول في كتابه “شابورقان”: “إن الأنبياء في تدبير مستقبل الدين لا يخرجون عن مسالك ثلاثة: الأول: أن يرفع النبي يده عن مستقبل الرسالة ويتركها لطبائع البشر، وهذا محال في حق نبي يدرك أن الوحي نور ثابت والزمن المادي ظلام متغير، ولا يمكن ترك النور الثابت لتأكله فوضى الأيام دون حراس يذودون عنه. الثاني: أن يترك الأمر مشاعًا فيؤسس مجمعًا للشورى يعقد به مستقبل الدين على ما تنتجه قرائح الجيل الذي تربى على يديه، وهذا مسلك باطل في عرفنا؛ لأن الكثرة وإن صفت قرائحها تظل مجبولة على الاختلاف ولن تعصمها صحبتها للنبي من الفتن. المسلك الأخير: أن يصطفي لنفسه تلميذًا واحدًا يفرغ فيه سر حكمته ويعده إعدادًا باطنيًا وظاهريًا ليقوم مقامه، فتتجسد فيه الوراثة الروحية والزعامة الدنيوية وتكون له أمة من الناس تتبعه”.

الطريق الرابع الذي غاب عن سلمان

استبعد سلمان الطريق الأول دون تفكير طويل. أما الطريق الثاني فذكره بالآية “وأمرهم شورى بينهم”، لكنه قال: لو كان النبي قد ربط قيادة الإسلام بالشورى لكان من أوضح الأمور التي يتطلبها هذا الربط أن يجهز النبي الصحابة فكريًا وروحيًا لهياكلها وتفاصيلها ويعطيها صبغة دينية مقدسة. وما دام هذا الإعداد الفكري والروحي لم يتم، فإن هذا الطريق لم يتخذه النبي. أما الطريق الثالث فسحر سلمان، وتذكر “ماني” حين أسند ولاية عهده لتلميذه “مار سيسين”، جاعلاً إياه قطبًا تدور في فلكه هيكلية روحية تتألف من اثني عشر معلمًا يورثون السر الروحي لأتباعهم. لهذا عده سلمان الطريق الوحيد الذي سينقذ الإسلام.

إلا أنه غاب عن سلمان أن النبي العربي سار في طريق رابع لا تدركه فلسفة الفرس، طريق يرى مستقبل الدين في الفطرة والسلوك المرحلي، وليس في الجماعات والهياكل، جاعلاً من السلوك العربي في أفضل تجلياته المثالية دينًا بحد ذاته ليجتمعوا عليه وينتصروا. ولهذا أحجم النبي عن كتابة كتاب وقال: “يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر”، إنه وعي العرب بالضمانة لمسار القيم العربية العليا.

يُروى أن أعرابيًا قال للفارسي: “يا سلمان، العرب لا تعرف دندنتك ولا دندنة بني ساسان”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني

للنشر و الاعلان