تلقى المؤلف ردود فعل متباينة من قرائه، إذ انطلقت معظم التعليقات من انتقاد العنوان «الحداثة البدوية» باعتباره اختزالاً غير مقبول وفق مقاييس علم الاجتماع التراثي عند ابن خلدون أو معيار علم اجتماع البداوة الحديث. كما أثار استغراب البعض وضع صورة غلاف من فن السدو عوضاً عن مشهد صحرائي مع إبل، غافلين عن أن الفهم العلمي للبداوة يفتح أمامهم آفاقاً تتجاوز التصورات التقليدية التي تفرق بين بدوي الجبل في لبنان وبدوي الصحراء في ليبيا.
العنوان كمصيدة فكرية
يؤكد المؤلف أن «الحداثة البدوية» لا تتناول البدو بمعناهم الشائع غير العلمي، بل أن العنوان يُقصد به إغراء القارئ إلى فخ فكري يهدف إلى تفكيكه. يعرّف الحداثة البدوية حالةً معرفية واجتماعية تصيب أي مجتمع يتبنى أدوات الحداثة دون استيعاب مضامينها الجوهرية، فتظهر كحداثة ترتدي ثوب التقدم بينما تحتفظ بروح القبيلة داخلها.
السؤال المركزي: انحراف العقلانية
العنوان الفرعي للكتاب يوضح محور النقاش الأساسي: «انحراف العقلانية ومأزق الحرية في العالم العربي». يتساءل المؤلف عن السبب الذي حول مشروع التنوير العربي من عقلانية حقيقية إلى عقلنة زائفة، ولماذا تحولت الحرية من قيمة بحد ذاتها إلى نظام يحد ما يجوز وما لا يجوز.
تمييز المفهومين: البدوي والأعرابي
يركّز الكاتب على فرق جوهري بين مفهومين: أولاً، «البدوي حالة اجتماعية لا عرق»، حيث يوضح أن البداوة موجودة في صحاري أفريقيا، وجزر إندونيسيا الخضراء، وحتى في بيئات إسكيمو والبحر، وتعني العيش على الحد الأدنى والتنقّل بحثاً عن سبل الرزق، مستنداً إلى تعريف ابن خلدون. ثانياً، «الأعرابي سلوك ناتج عن بُدْوة مُجنَّدة»، أي أن الأعرابية تمثل سلوكاً عنيفاً وتعجرفاً عندما تُستَغل البداوة لخدمة نخب سياسية أو دينية أو قبلية. يكرر المؤلف القاعدة الأساسية: «ليس كل بدوي أعرابي، لكن كل أعرابي بدوي»، لتكون العمود الفقري للتحليل.
بنية الكتاب ومحاوره الثلاثة
يعتمد المؤلف أسلوباً غير تقليدي في مدخل الكتاب، حيث يروي مسيرته الفكرية بدءاً من خروجه من كلية الشريعة، مروراً بصدمة اكتشاف زميله في الصف الذي أصبح مفتيًا لمنظمة إسلامية متطرفة، وصولاً إلى سلسلة من مؤلفاته التي تنوعت بين «سياط الكهنوت» (2008) و«حجامة العقل» و«أضحية المعبد» و«آلزهايمر تاريخ». ثم ينتقل إلى ثلاثة محاور رئيسية:
المحور الأول: البداوة كحالة معرفية؛ يستخدم ابن خلدون لتوضيح أن البداوة ليست عرقاً بل وضعاً تاريخياً يمتد من المغول إلى الأتراك والعرب والأمازيغ، بل ويشمل الصهيونية التي يراها في جذورها أسطورة الأنبياء البدو.
المحور الثاني: تفكيك الفكر العربي الحديث؛ يقرأ المؤلف أعمالاً لفلاسفة مثل الجابري، طرابيشي، هشام شرابي، طه عبد الرحمن، عبد الله العروي، فيصل دراج، الصويان، ابن تنباك، والغذامي، ليظهر كيف سقطت كثير من هذه المشاريع الفكرية في فخ الحداثة البدوية، مستخدمةً مصطلحات حديثة لإعادة بناء بنى تقليدية.
المحور الثالث: العقل المراهق؛ يصف العقل العربي المعاصر بأنه في مرحلة مراهقة معرفية، ليست بالانتقاد السلبي، بل بمعنى التناقض بين مرحلتين زمنيتين ينتج عنها سلوك معرفي متعارض: ينتقد المركزية الغربية بأدوات النقد الغربي، ثم يعيد إنتاج مركزية عربية دينية بأسلوب مشابه لما انتقده إدوارد سعيد في «الاستشراق». يطلق على ذلك «الاستشراق المعكوس»، أي عقلنة سهلة تعيد إنتاج الذات مقابل الآخر دون عقلانية علمية.
يظهر في النص تداخل السرد الشخصي مع النظري؛ إذ يحكي المؤلف عن والده العسكري الذي وُلد عام 1370هـ/1950م، ونشأ يتيمًا يرافق قوافل الإبل بين أسواق جيزان وعسير، مقدماً ذلك كمدخل أنثروبولوجي لتبيين معنى البداوة الأصيلة قبل أن تتحول إلى رمز استهلاكي.
العقلانية مقابل العقلنة
يُبرز المؤلف تمييزاً حاسماً بين «العقلانية» التي تعني القدرة الحقيقية على التفكير النقدي والشك والمسائلة، وبين «العقلنة» التي تُبرّر سلوكاً غير عقلاني بمسوغات تبدو منطقية، مشيراً إلى أن الأيديولوجيات الدينية والقومية تستغل الأخيرة بصورة مستمرة، ما يفسر ما يقرب من قرن من عثرات الفكر العربي.
كما يفرق بين الأطروحة اللوغوسية «العقل» والأطروحة الميثوسية «الأسطورة»، موضحاً أن الحداثة البدوية تُلبس الأسطورة بثوب العقل دون أن تتحرر منه، وهو ما يناقشه في مواجهة فكرة كمال عبد اللطيف «أسئلة الحداثة في الفكر العربي».
في ختام ملاحظاته بعد قراءة الكتاب المنشور عبر دار متون، يشير المؤلف إلى أن الحواشي الداخلية أثقلت النص، وتكرار بعض المفاهيم قد يربك القارئ المتابع لأعماله، إلا أن هذه النقاط لا تُنقّص من قيمة الكتاب.
يُختتم القول بأن هذا العمل يُعد تجربة جريئة تسعى إلى صياغة أسئلة جديدة في الساحة العربية، بدلاً من تقديم إجابات جاهزة. فإذا كان كوبرنيكوس قد حرّر العقل العلمي من مركزية الأرض، فإن هدف هذا الكتاب هو تحرير العقل العربي من مركزية الأسطورة التي قيده.