انتقل إلى المحتوى الرئيسي
عربي و عالمي

التضخم الأمريكي يربك الأسواق العالمية والذهب يستعيد جزءا من خسائره

التضخم الأمريكي يربك الأسواق العالمية والذهب يستعيد جزءا من خسائره

أعادت أحدث بيانات التضخم الأمريكية خلط الأوضاع في الأسواق المالية العالمية، حيث جاء مؤشر أسعار المستهلكين لشهر سبتمبر أعلى من التوقعات، ما أثار تقلبات حادة في أسعار الدولار والذهب وأسهم التكنولوجيا، وسط استمرار قوة الإنفاق الاستهلاكي وتباين في أداء الأصول.

التضخم والضغوط السعرية

سجل مؤشر أسعار المستهلكين ارتفاعا سنويا قدره 3.7٪، متجاوزا توقعات السوق التي كانت عند 3.6٪، بينما بلغ التضخم الأساسي 2.6٪. وأظهر مؤشر أسعار المنتجين زيادة شهرية بلغت 1.3٪، وهي الأكبر منذ مارس 2022، وارتفاعا سنويا قدره 6.3٪، مما يعزز المخاوف من نقل ارتفاع تكاليف الإنتاج إلى أسعار السلع والخدمات النهائية، وخصوصا مع احتمال انتقال زخم أسعار الطاقة إلى تكاليف النقل والإنتاج، ما قد يبطئ وتيرة تراجع التضخم ويعقّد عودته إلى مستهدف الاحتياطي الفيدرالي.

استجابة الدولار والذهب

على الرغم من أن ارتفاع التضخم يدعم عادة توقعات استمرار السياسة النقدية المتشددة، تراجع الدولار خلال تداولات الجمعة، بينما انخفضت عوائد السندات، ما ساهم في دعم الذهب. وبعد أن هبط المعدن الأصفر إلى نحو 4,073 دولارا للأونصة، استعاد جزءا من خسائره وتداول قرب 4,175 دولارا، في حركة تعكس عودة الطلب عند مستويات سعرية أقل دون أن تشير إلى انتهاء موجة التصحيح. ويرتبط مسار الذهب مستقبلا باتجاه الدولار والعوائد الحقيقية، إذ قد يمنح انخفاضهما المعدن فرصة لمواصلة التعافي، بينما قد يحد استمرار الضغوط التضخمية وتوقعات تشديد السياسة من مكاسبه.

الإنفاق الاستهلاكي وتفاصيل المبيعات

ارتفعت مبيعات التجزئة الأمريكية لشهر سبتمبر بنسبة 0.8٪ على أساس شهري، متجاوزة التوقعات التي كانت عند 0.3٪. ومع ذلك، كشفت تفاصيل البيانات أن مبيعات محطات الوقود زادت بنسبة 6.4٪، بينما اقتصرت الزيادة في مبيعات التجزئة باستثناء محطات الوقود على 0.2٪، ما يشير إلى أن ارتفاع تكاليف الوقود أسهم بشكل كبير في نمو المبيعات الاسمية. ويعني ذلك أن ارتفاع الإنفاق الاسمي لا يعكس بالضرورة تحسنا في الاستهلاك الحقيقي، خاصة مع استمرار الضغوط على القوة الشرائية للأسر، وقد يمنح الطلب المستمر الشركات مجالا لتمرير جزء من التكاليف المرتفعة إلى المستهلكين، مما يطيل أمد الضغوط التضخمية.

توقعات الاحتياطي الفيدرالي وسيناريوهات السوق

ترقب الأسواق إشارات أوضح بشأن اتجاهات السياسة النقدية الأمريكية، في ظل بقاء التضخم فوق المستويات المستهدفة مع مؤشرات على تماسك النشاط الاقتصادي. أشار كيفن وارش، أحد مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، إلى أن أداء الاقتصاد يتماشى مع التوقعات، مع بقاء التضخم مصدر قلق، دون إعطاء إشارة حاسمة بشأن قرار الفائدة المقبل. ويزيد غياب التوجيه الواضح من أهمية البيانات الاقتصادية المقبلة، إذ قد تدفع المؤشرات التي تظهر استمرار الضغوط السعرية نحو الإبقاء على سياسة نقدية مشددة، بينما قد تعزز علامات التباطؤ الاقتصادي التوقعات بخفض الفائدة مستقبلا.

ويوجه انتباه المستثمرين خلال الأسبوع القادم إلى بيانات قطاع الإسكان، ومؤشرات مديري المشتريات المقرر صدورها الجمعة، إلى جانب مؤشرات ثقة المستهلك ونتائج الشركات، خصوصا تلك العاملة في قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وستساعد هذه البيانات في تقييم قدرة الاقتصاد الأمريكي على الحفاظ على زخمه amid ارتفاع تكاليف التمويل وتزايد المخاوف الائتمانية.

وترسم الأسواق ثلاثة مسارات محتملة: الأول استمرار الضغوط التضغيمية، مما قد يعزز توقعات التشديد النقدي ويضغط على الذهب والأسهم الحساسة لأسعار الفائدة؛ الثاني يرتبط بتباطؤ النشاط الاقتصادي، ما قد يؤدي إلى تراجع العوائد ودعم الذهب مع احتمال استمرار الضغوط على الأسهم إذا تصاعدت المخاوف الائتمانية؛ الثالث يتمثل في استمرار التباين بين التضخم والنمو، يبقي الأسواق في دائرة التقلبات ويجعل تحديد اتجاه مستدام للدولار والذهب والأسهم مرهونا بصدور بيانات اقتصادية أوضح.

وتعكس تحركات الأسواق الأخيرة تحولا في أولويات المستثمرين من مجرد متابعة معدلات التضخم إلى تقييم قدرة السياسة النقدية على احتواء ارتفاع الأسعار دون إضعاف النمو، وهي المعادلة التي ستبقى العامل الأبرز في تحديد اتجاهات الأسواق العالمية خلال الفترة القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني