لم تعد الهجمات السيبرانية مجرد خطر تقني يستهدف الأجهزة والشبكات، بل أصبحت تمثل مخاطر اقتصادية قد تؤدي إلى تعطيل المصانع، وإيقاف الخدمات المالية، وإرباك سلاسل الإمداد، وهز ثقة المستثمرين، وتعطيل استمرارية الأعمال. وفي المقابل، تحول الإنفاق على الحماية الرقمية من تكلفة ضرورية إلى نشاط اقتصادي متنامٍ يفتح مجالات للاستثمار والابتكار وتوفير فرص العمل.
الريادة العالمية وبيئة الدعم
احتلت السعودية المرتبة الأولى عالمياً للعام الثالث على التوالي في مؤشر الأمن السيبراني ضمن تقرير الكتاب السنوي للتنافسية العالمية لعام 2026، الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية (IMD) في سويسرا. كما صنّفها الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) ضمن الفئة الأعلى عالمياً، معتبراً إياها نموذجاً رائداً في المؤشر العالمي للأمن السيبراني. هذا التقدم يعكس الدعم الذي يحظى به القطاع من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ما أسّس لبنية مؤسسية وتشريعية وتقنية جعلت الأمن السيبراني ركيزة أساسية للأمن الوطني والاقتصاد الرقمي.
حجم السوق والمساهمة الاقتصادية
كشف تقرير الهيئة الوطنية للأمن السيبراني، الصادر في 14 أكتوبر 2026، أن حجم سوق الأمن السيبراني بلغ نحو 16.3 مليار ريال خلال عام 2025، مع معدل نمو سنوي مركب قدره 10.7% خلال الفترة من 2023 إلى 2025. استحوذ القطاع الخاص على 69% من هذا الإنفاق بما يعادل 11.2 مليار ريال، بينما بلغ إنفاق القطاع الحكومي 5.1 مليارات ريال بنسبة 31%. وأظهر التقرير أن مساهمة القطاع المباشر والغير مباشر في الناتج المحلي الإجمالي وصلت إلى نحو 20 مليار ريال في 2025، منها 9.7 مليارات ريال مباشرة و10.3 مليارات غير مباشرة، بمعدل نمو سنوي مركب 13.2%. وبناءً على ذلك، مثلت مساهمة القطاع 0.42% من الناتج المحلي الإجمالي و0.71% من الناتج المحلي للأنشطة غير النفطية. ويشير التقرير إلى أن حجم السوق الذي يعكس الإنفاق على المنتجات والخدمات يختلف عن القيمة المضافة المقاسة في الناتج المحلي، لذا لا يجوز اعتبار الرقمين إيرادات متطابقة.
من الاستخدام إلى الإنتاج والتطوير
أعلنت وزارة التجارة في سبتمبر 2026 بلوغ عدد السجلات التجارية لنشاط الأمن السيبراني 11,275 سجلاً، بزيادة قدرها 22%. ومع أن السجل التجاري لا يعكس بالضرورة وجود شركة منتجة للتقنية، فإن التحدي يكمن في تحويل هذا الاتساع إلى منشآت فاعلة تطور حلولاً ذات قيمة مضافة وتستطيع الاستمرار والتوسع خارج الحدود. وقد بين التقرير أن المنتجات استحوذت على 51% من الإنفاق في السوق مقابل 49% للخدمات، مما يثير سؤالاً عن حصة المنتجات المطورة محلياً وملكية الشركات السعودية لتقنياتها. ويبرز دور الشركات الوطنية، وعلى رأسها الشركة السعودية لتقنية المعلومات «سايت»، بالإضافة إلى المنشآت الناشئة، في دعم صناعة سيبرانية محلية وتعزيز المحتوى المحلي. ومع توسع الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والمدن الذكية والخدمات المالية الرقمية، يزداد الطلب على منظومات أمنية متقدمة تحمي البيانات والشبكات والتطبيقات والبنى التحتية الحساسة، خاصةً مع التحديات الإضافية التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على حماية النماذج والبيانات المستخدمة في تدريبها وتشغيلها. وأظهر التقرير أن عدد المتخصصين في الأمن السيبراني بالسعودية تجاوز 22 ألفاً خلال عام 2025، وشكلت النساء 33% من إجمالي المختصين العاملين في القطاع، مقارنةً بمعدل عالمي يقارب 22%. ولتطوير الصناعة يتطلب توسيع التأهيل من تشغيل الأنظمة وإدارة المخاطر إلى هندسة المنتجات السيبرانية، وأمن الذكاء الاصطناعي، والتشفير، والبحث والتطوير، ما يستدعي تعميق الشراكة بين الجامعات ومراكز الأبحاث والشركات التقنية لتحويل المعرفة العلمية إلى منتجات قابلة للتسويق وشركات ناشئة قادرة على النمو. وفي مجال التمويل، أظهرت النتائج المعلنة للنسختين الأولى والثانية من «مسرعة الأمن السيبراني» التابعة للهيئة الوطنية للأمن السيبراني استثمارات تجاوزت 27 مليون ريال في الشركات الناشئة، وأكثر من 90 شراكة محلية ودولية، وتوسعاً إقليمياً وعالمياً في 12 دولة. ويُعد ذلك مؤشراً مشجعاً، لكن استدامة الأثر تعتمد على نمو الشركات بعد انتهاء برامج التسريع وقدرتها على تحقيق إيرادات والوصول إلى عملاء جدد، ما يستدعي أن يمتد دور رأس المال الجريء من تمويل التأسيس إلى دعم مراحل النمو، خصوصاً أن صناعة المنتجات السيبرانية تتطلب استثمارات مستمرة في البحث والتطوير والاختبار والامتثال والتحديث. ولتعزيز القدرة على المنافسة عالمياً، تشمل الأولويات رفع حصة المنتجات الوطنية، وتوسيع الاستثمار في البحث والتطوير، وتشجيع امتلاك حقوق الملكية الفكرية، وربط المشتريات المؤسسية بالحلول المحلية المؤهلة القادرة على المنافسة، وفتح مسارات عملية إلى الأسواق الدولية، بالإضافة إلى الحاجة لمؤشرات اقتصادية أكثر تفصيلاً تقيس إيرادات المنتجات المطورة محلياً، وقيمة الصادرات السيبرانية، وعدد الشركات المالكة لتقنياتها، وحجم الاستثمار في البحث والتطوير، وحصة المنتجات الوطنية من إجمالي الإنفاق. وأخيراً، يبرز التمييز بين توطين تقديم الخدمات وتوطين التقنية نفسها؛ فالأول يوفر وظائف وفرصاً اقتصادية مهمة، بينما يضيف الثاني القدرة على الابتكار والإنتاج والتصدير وامتلاك المعرفة. فالأمن الذي يحمي الاقتصاد يمكن أن يصنع الثروة إذا تم تحويل المقومات المتاحة إلى شركات منتجة ذات حضور عالمي، مما يضيف إلى دور القطاع الأمني قدرة صناعية واستثمارية مستدامة.