انتقل إلى المحتوى الرئيسي
عربي و عالمي

ترمب يتعالى في خطابه نحو كوبا وسط تصاعد التوترات بعد فشل استراتيجيته في إيران

ترمب يتعالى في خطابه نحو كوبا وسط تصاعد التوترات بعد فشل استراتيجيته في إيران

رفع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من حدة لهجته تجاه كوبا خلال الأسابيع الأخيرة، مؤكدًا أنه قادر على فعل «أي شيء» يريده حيال الجزيرة، مشيرًا إلى احتمال حصوله على «شرف السيطرة عليها». وجدد ترمب، يوم الأربعاء الماضي، تصريحاته بشأن سعيه إلى «تحرير» كوبا، واصفًا إياها بـ«دولة منهارة» لا تملك نفطًا ولا أموالًا، مضيفًا أنها “تتفكك أمام الجميع”، مشددًا على أن الولايات المتحدة “موجودة لمساعدة الشعب، والعائلات”.

اتهامات تاريخية وتكتيك ضغط جديد

تزامنًا مع هذه التصريحات، وُجهت اتهامات للزعيم الكوبي السابق راؤول كاسترو بخصوص إسقاط طائرتين مدنيتين عام 1996، مما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص من بينهم ثلاثة أمريكيين. يرى مراقبون أن هذه الاتهامات تشكل جزءًا من استراتيجية ضغط جديدة تستهدف هافانا.

تحليل شبكة سي إن إن حول التصعيد الكوبي

وفقًا لتقرير نشرت شبكة “سي إن إن”، تسعى الإدارة الأمريكية من خلال هذا التصعيد إلى إضعاف شخصيات داخل النظام الكوبي قد تكون أكثر انفتاحًا على التفاوض، بينما قد يُستغل المسار القانوني الجديد كستار لتحرك عسكري أو عملية خاصة مماثلة لتلك التي أدت إلى إطاحة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في مطلع العام الحالي. ويُعد هذا التوجه اختبارًا جديدًا لاستراتيجية الإدارة التي تعتمد على تكثيف الضغوط الاقتصادية عبر الحصار، مع التلميح إلى إمكانية اللجوء إلى القوة لدفع الخصوم إلى الاستسلام.

وذكر التقرير أن هذه المقاربة نجحت في فنزويلا، حيث ساهمت في بروز ديلسي رودريغيز كرئيسة بالوكالة تتواصل مع فريق ترمب، إلا أن الفنزويليين لم يشهدوا بعد تحقيق وعود الديمقراطية. وعلى النقيض، فشل النهج نفسه في إيران إلى حد قد يضطر ترمب إلى اللجوء إلى الحرب كخيار وحيد.

رد الفعل الكوبي وانتقادات الترند الأمريكي

من جانبه، هاجم الرئيس الكوبي ميغيل دياب لائحة الاتهام، واصفًا إياها بـ”مناورة سياسية تكشف عن غطرسة وإحباط الإمبراطورية الأمريكية”. وأشار التقرير إلى أن تحدي كوبا يمس إحدى الركائز الأساسية في سياسة ترمب الخارجية، التي تفترض أن كل أزمة يمكن تحويلها إلى “صفقة”، وأن التهديد باستخدام القوة الأميركية قد يدفع الخصوم الصغار إلى التراجع وفتح أسواقهم ومواردهم أمام الشركات الأمريكية.

القيود العسكرية والواقع السياسي داخل الولايات المتحدة

تُعقّد الحرب المتعثرة التي يخوضها ترمب أي تهديدات تجاه كوبا، إذ لا توجد مؤشرات حالية على وجود حشد عسكري واسع النطاق قرب الجزيرة مماثل لتلك التي شهدتها فنزويلا وإيران. ومع ذلك، أفادت شبكة “سي إن إن” بارتفاع ملحوظ في نشاط الاستخبارات العسكرية الأمريكية قبالة السواحل الكوبية، وهو نمط سبق أن ظهر قبل الهجمات على إيران وفنزويلا.

يُقلل تراجع شعبية ترمب جراء الحرب في إيران من هامش المناورة السياسية أمام أي مغامرة عسكرية جديدة. وتظهر استطلاعات حديثة من “سي إن إن” و”نيويورك تايمز” أن غالبية الأمريكيين يعارضون الحرب مع إيران، ويربطون سياسات ترمب بأزماتهم الاقتصادية اليومية، كما تُظهر الاستطلاعات رفضًا واسعًا لسياسة ترمب تجاه كوبا.

رغم أن أي مواجهة مباشرة مع كوبا قد تلقى رواجًا بين المنفيين المناهضين للشيوعية في فلوريدا، وهم فئة سياسية مؤثرة، فإن ذلك قد يتحول إلى عبء إضافي على الجمهوريين في انتخابات منتصف الولاية، في ظل تراجع شعبية ترمب داخل الحزب. وقد لا يمثل انتصارًا خارجيًا في كوبا ما يهم الناخبين الذين يواجهون أزمات السكن وارتفاع أسعار الغذاء.

وقال السيناتور الديمقراطي روبن غاليغو الشهر الماضي: “الشعب الأمريكي لا يطالب بحرب جديدة. يريد منا التركيز على بناء المساكن في أريزونا، لا قصف المساكن في هافانا”. وأضاف: “يريدون خفض تكاليف الرعاية الصحية، لا إرسال جيل جديد من المحاربين القدامى إلى المستشفيات. ويريدون حياة أقل تكلفة، لا إنفاق أموال الضرائب على حروب غير ضرورية”.

التحليل العسكري واحتمالات الفشل

إن أي هجوم أمريكي أو عملية لقوات خاصة قد يواجه مقاومة أكبر وخسائر محتملة تفوق تلك التي شهدتها العملية السريعة ضد مادورو؛ فبالرغم من ضعف موارد الجيش الكوبي وتقادم معداته، لا يزال قادرًا على إلحاق خسائر بالقوات الأمريكية. ومن المرجح أن تكون الحماية المحيطة براؤول كاسترو مشددة للغاية لتفادي أي عملية خاطفة مماثلة لتلك التي حدثت في فنزويلا.

وأشار التقرير إلى أن عقودًا من التماهي بين النظام الكوبي والمجتمع تجعل من الصعب تكرار مشهد التعاون مع المسؤولين الأمريكيين كما حدث في فنزويلا، رغم وجود تقارير عن اتصالات بين إدارة ترمب وراؤول غييرمو رودريغيز كاسترو، حفيد راؤول كاسترو وحارسه الشخصي.

وقال باحث في معهد “كوينسي لي شلينكر” إن العقيدة الدفاعية في كوبا تقوم على تعبئة السكان بالكامل في حال وقوع غزو أجنبي، محذرًا من أن أي تدخل أمريكي قد يؤدي إلى سقوط قتلى أمريكيين وعشرات أو مئات الضحايا من المدنيين وعناصر الأمن الكوبيين. وأضاف: “لن نشهد تحولًا جذريًا في النظام الكوبي، بل من المرجح مزيد من القمع وتراجع فرص الانتقال نحو الديمقراطية واقتصاد السوق”.

الأزمة الإنسانية وتداعيات الحصار

في الوقت نفسه، يفاقم تشديد الحصار الأمريكي على واردات النفط الكوبية هشاشة الوضع داخل الجزيرة، ما قد يفضي إلى انهيار مجتمعي واسع النطاق، وربما موجة لجوء جماعية تتحول إلى أزمة هجرة تشكل تحديًا لإدارة تعهدت بتشديد أمن الحدود الأمريكية.

مع ذلك، يرى التقرير أن ميل الإدارة الأمريكية إلى العمليات العسكرية السريعة والحاسمة يبقي خيار التحرك العسكري ضد كوبا قائمًا، خصوصًا أن ترمب لا يزال يثني على عملية الإطاحة بمادورو، مما قد يدفعه إلى الاعتقاد بأن إسقاط النظام الإيراني وتحقيق انتصار في الحرب سيكونان مهمة سهلة.

الدوافع وراء سعي ترمب إلى انتصار كوبا

في ظل المخاطر والشكوك التي تحيط بمغامرات ترمب العسكرية، والتي تتناقض مع تعهداته بعدم خوض حروب خارجية جديدة، يبرز سؤال: لماذا قد تفكر الإدارة الأمريكية في إحداث أزمة جديدة مع كوبا؟ وفقًا للتقرير، يحتاج ترمب إلى “انتصار” يعزز صورته في السياسة الخارجية، بعد أن بدت وعوده بإنهاء الحرب مع إيران أو النزاع في أوكرانيا أو تحقيق تقدم في وقف إطلاق النار في غزة بعيدة المنال.

كما يعتقد البعض أن تحقيق إنجاز مماثل لإسقاط نظام فيدل كاسترو سيمنح ترمب فرصة لإسقاط أسلافه منذ جون كينيدي، وبالتالي ترك إرثًا تاريخيًا يطمح إليه. ويُذكر أن وزير الخارجية ماركو روبيو، وهو نجل مهاجرين كوبيين، جعل إضعاف النظام في هافانا جزءًا أساسيًا من مسيرته السياسية.

ويرى التقرير أن تحويل كوبا من خصم إلى دولة تدور في الفلك الأمريكي سيعزز ما تصفه الإدارة بـ”عقيدة دونرو”، التي تهدف إلى بسط النفوذ الأمريكي على كامل نصف الكرة الغربي، جنبًا إلى جنب مع دعم حلفاء شعبويين يمينيين في أمريكا اللاتينية.

وقد أعربت الإدارات الأمريكية عن قلقها من نشاطات التجسس والمراقبة المنطلقة من كوبا لصالح خصوم واشنطن مثل روسيا والصين، وبالتالي فإن إسقاط النظام في هافانا قد يحرم موسكو وبكين من حليف سياسي مهم في المنطقة.

وأشار التقرير إلى أن الكوبيين عاشوا لعقود في ظروف اقتصادية صعبة وتحت نظام قمعي، وأن إسقاط النظام قد يفتح الباب أمام حريات سياسية وفرص اقتصادية أفضل، رغم تشكيك منتقدين في صدقية الإدارة الأمريكية بهذا الشأن.

في المقابل، تواجه إدارة ترمب اتهامات باتباع أساليب قاسية وغير إنسانية نتيجة تشديد الحصار النفطي والعقوبات، وسط تحذيرات أممية من أن القيود الأمريكية تهدد إمدادات الوقود الضرورية للكهرباء والمياه والمستشفيات والنقل وإنتاج الغذاء. وأوضح روبيو في رسالة مصورة للكوبيين أن “السبب الحقيقي لغياب الكهرباء والوقود والغذاء هو أن من يسيطرون على البلاد نهبوا مليارات الدولارات”، مضيفًا أن “لا شيء استُخدم لمصلحة الشعب”.

يختتم التقرير بالتأكيد على أن النظام الكوبي لا ينكر طابعه القمعي، كما هو الحال في النظام الإيراني، إلا أن أيًا من النظامين لم يُسقط بعد، وأن محاولات ترمب لتعزيز مكانته التاريخية قد تكون مكلفة إنسانيًا وسياسيًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني