مشهد جديد للاحتجاج والتغطية الإعلامية
تختلف الصورة اليوم في سوريا، لا لأن البلاد بلغت نموذجاً مثالياً لحرية التعبير ولا لأن القوانين الموروثة اختفت بالكامل، بل لأن المجال العام نفسه اتسع. بات السوريون يختبرون حدود القول والاعتراض في واقع سياسي متجدد، وأصبحت أصوات كانت محصورة خلف الأبواب المغلقة تُسمع الآن في الشوارع، على الشاشات، في الصحف، ومن على منابر المساجد ووسائل التواصل الاجتماعي.
قبل أيام، ظهر أحد هذه الاختبارات عقب رفع أسعار المشتقات النفطية، حيث شهدت عدة محافظات سورية وقفات واحتجاجات ضد القرار، وطالب المشاركون بمراجعته أو التراجع عنه. لم يكن اللافت هو الاحتجاج فحسب، بل تغطية وسائل الإعلام الحكومية، ومن بينها الوكالة العربية السورية للأنباء «سانا»، لهذه الوقفات والاحتجاجات، إلى جانب عرض مبررات وزارة الطاقة للقرار. لا يعني ذلك أن العلاقة بين الإعلام الرسمي والسلطة أصبحت مثالية، لكنه يعكس تحولاً في طريقة التعامل مع حدث كان يمكن في زمن آخر أن يُحذف بالكامل من الصورة العامة.
حفل أصالة نصري وجدل المنابر الدينية
غير أن امتحان الحرية لا يظهر فقط عندما يكون النقد موجهاً إلى الحكومة. فبعد أيام من احتجاجات الوقود، وقعت واقعة مختلفة تماماً، لكنها أثارت السؤال نفسه من زاوية أخرى. مساء الخميس الماضي، أقامت المطربة أصالة نصري، المعارضة لنظام الأسد، حفلاً في دمشق بعد غياب دام نحو خمسة عشر عاماً. قوبل الحفل بانتقادات من خطباء في عدد من المساجد، وهاجم بعضهم موقف وزارة الثقافة، وانتقل النقد عند البعض من العمل الفني إلى المطربة نفسها بكلمات نابية تمس شخصها. وكان لافتاً أن شخصاً ظهر قبل أشهر في اتصال مع الرئيس أحمد الشرع ويُعرف بتأييده للمرحلة الجديدة، كان أيضاً من المنتقدين الشديدين للحفل، في مؤشر على أن الاختلاف حوله امتد حتى داخل الدائرة المؤيدة للحكومة الجديدة.
الحرية بين الحق والمسؤولية
من حق الخطيب أن يعترض على الحفل، ومن حقه أن يراه مخالفاً لقناعاته الدينية، ومن حق مواطن آخر أن يحضر الحفل، ومن حق أصالة أن تغني، ومن حق غيرهما أن ينتقد الخطيب نفسه. هذه في أساسها هي الحرية، لكن الامتحان الحقيقي يبدأ مع هذه الحرية. فإدارة الاختلاف لا تعني أن ينتقل السوري من زمن لا يستطيع فيه الاعتراض إلى زمن يصبح فيه كل طرف قادراً على إلغاء الآخر. وليست الحرية أن تتحرر الكلمة من رقابة الدولة ثم تقع تحت رقابة المجتمع أو سلطة المنبر أو ضغط الجمهور. هناك فرق جوهري بين أن تقول إن حفلاً لا يناسب قيمك، وأن تطعن في الشخص الذي يقف على المسرح، وبين أن تنتقد قراراً حكومياً، وأن تحول النقد إلى افتراء. ويصبح الفرق أكثر أهمية عندما تخرج الكلمة من منبر عام؛ فرأي الإنسان في جلسة خاصة ليس ككلمة خطيب يسمعه المئات، ولا كعنوان في صحيفة أو منشور يتابعه مئات الآلاف. فكلما اتسع تأثير المنبر ازدادت معه المسؤولية، وهذه المسؤولية لا تنتقص من الحرية، بل تحميها من أن تتحول إلى أداة اعتداء.
هذا يقود إلى الفضاء الأوسع: من حق المواطن أن ينتقد الرئيس والحكومة وقرارات رفع الأسعار، ومن حق الصحفي أن يلاحق الخطأ، ومن حق رجل الدين أن ينتقد ظاهرة اجتماعية أو حفلاً غنائياً، ومن حق الفنان أن يرفض تلك النظرة كلها. لكن في المقابل، تبقى لكل إنسان سمعته وكرامته وحياته الخاصة، ولا تسقط هذه الحقوق لمجرد دخوله المجال العام.
قوانين جديدة وتحديات قائمة
هذا هو معنى إدارة الاختلاف الذي تحتاج سوريا اليوم إليه: ليس أن نتفق، بل أن نختلف من دون خوف ومن دون إلغاء ومن دون تجنٍّ. وهنا تصبح القوانين جزءاً أساسياً من بناء المرحلة الجديدة لتنظيم العلاقة بين الناس. فقد أعلنت وزارة الإعلام إنجاز مشروع قانون جديد للإعلام يتضمن إلغاء عقوبة السجن في المخالفات الإعلامية، وضمان حق الصحفي في الوصول إلى المعلومات وحماية مصادره. وهي خطوات مهمة إذا تحولت إلى نص واضح وممارسة مستقرة. لكن في المقابل، لا يزال قانون الجرائم الإلكترونية الصادر في عهد النظام السابق قائماً، وانتقدت منظمات حقوقية استمرار استخدام بعض مواده الفضفاضة في قضايا تتعلق بالتعبير.