انتقل إلى المحتوى الرئيسي
عربي و عالمي

لماذا يضع الموقف السعودي أمن البحر الأحمر في مواجهة مصادر التهديد؟

لماذا يضع الموقف السعودي أمن البحر الأحمر في مواجهة مصادر التهديد؟

لم تعد المعضلة مقتصرة على وجود جماعة مسلحة تسيطر على مناطق في اليمن، بل تحولت إلى مسألة أعمق تتعلق بقدرة هذه الجماعة على الإبقاء على ترسانتها العسكرية وتوسيعها وتعويض خسائرها عبر استمرار تدفق الأسلحة والتمويل والخبرات إليها. ومن هنا يبرز الاختبار الفعلي أمام المجتمع الدولي: هل يكتفي بالتعامل مع نتائج الهجمات، أم ينتقل إلى تفكيك مصادر القدرة التي تعيد إنتاج التهديد؟

الموقف السعودي: سيادة لا تقبل المساومة وسلام قابل للاستمرار

تنظر المملكة العربية السعودية إلى المسألة من زاوية واضحة، إذ تعتبر أمنها الوطني وسيادتها وسلامة مواطنيها ومنشآتها ومصالحها الحيوية خطوطاً حمراء لا تقبل المساومة. وهي في الوقت نفسه تؤكد دعمها للحل السياسي وللجهود الأممية وللحكومة اليمنية، لأن السلام المستدام لا يتحقق إلا بقيام دولة يمنية قادرة على ممارسة سلطتها وإنفاذ القانون.

وشددت المملكة على حقها في الدفاع عن نفسها ومواطنيها ومقدراتها، واتخاذ الإجراءات اللازمة وفق القانون الدولي، كما طالبت المجتمع الدولي بتنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة باليمن وحماية الملاحة الدولية. وهذا يعني أن الموقف السعودي لا يقوم على البحث عن حرب مفتوحة، بل على إنهاء مصدر التهديد وتهيئة بيئة تسمح للسلام بأن يصبح واقعاً قابلاً للاستمرار.

التهديد يمتد من العتاد إلى الخبرات والتقنيات

لا تقتصر المشكلة على وصول المعدات العسكرية وحدها؛ فالقدرة القتالية الحديثة قد تُبنى أيضاً من خلال نقل الخبرات والتدريب والمعلومات والبيانات والبرمجيات والمكونات التقنية ووسائل التشغيل والصيانة. وتزداد حساسية هذا الأمر مع اعتماد المنظومات الحديثة على الاتصالات والأنظمة الرقمية، بما يفتح مخاطر تتعلق بالاختراق أو التعطيل أو الوصول غير المصرح به أو التحكم عن بعد.

لذلك ينبغي أن تستند أي ادعاءات بوجود اختراقات أو تحكم خارجي إلى أدلة فنية وتحقيقات موثوقة، لا إلى افتراضات سياسية. لكن تجاهل هذا البعد يعني أن المجتمع الدولي قد يواجه خطراً يتجاوز المعدات نفسها، ويمتد إلى القدرة التي تسمح بتطويرها وتشغيلها وإعادة بنائها.

ومن منظور الأمن السعودي، فإن الحماية الحقيقية تتطلب التعامل مع مصدر القدرة وليس فقط مع نتائج استخدامها، عبر تشديد الرقابة على سلاسل الإمداد، وتتبع شبكات التمويل والتهريب، وتقوية تبادل المعلومات والتحقيقات الفنية، ومنع انتقال الخبرات والتقنيات ذات الاستخدام العسكري إلى جهات خارج سلطة الدولة.

سلام لا ينفصل عن وقف مصادر الحرب

إذا كانت الأولوية الدولية هي إنهاء الحرب، فإن وقف تدفق الأسلحة والتمويل والخبرات يجب أن يكون جزءاً من استراتيجية السلام، لا ملفاً منفصلاً عنها. والمطلوب إجراءات عملية تشمل تنفيذ قرارات مجلس الأمن، وتشديد الرقابة على شبكات التهريب والتمويل، ومنع وصول التقنيات والمكونات التي تمكن من تطوير القدرات العسكرية، بالتوازي مع دعم الحكومة اليمنية ومؤسسات الدولة.

فالحل السياسي يحتاج إلى طرف يستطيع تنفيذ الاتفاق، ويحتاج إلى دولة تحتكر القرار العسكري والأمني. أما استمرار وجود قوة مسلحة مستقلة تملك القدرة على إعادة بناء قدراتها، فيجعل أي اتفاق سياسي معرضاً للانتكاس.

البحر الأحمر: من إدارة الأزمة إلى معالجة الجذور

أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب ليس شأناً يخص اليمن أو المملكة وحدها، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحرية الملاحة الدولية وحركة التجارة واستقرار سلاسل الإمداد العالمية. ولهذا لا يجوز تحويل الممرات البحرية إلى أدوات ضغط في الصراعات الإقليمية، ولا أن يصبح تهديد السفن التجارية وسيلة لفرض شروط سياسية. فحماية الملاحة تتطلب موقفاً دولياً ثابتاً يرفض استخدام القوة المسلحة لفرض واقع جديد على الممرات الدولية.

وقد أثبتت التجربة أن إدارة الأزمة وحدها لا تكفي؛ فالتهدئة التي لا تعالج مصادر التهديد قد تمنح الأطراف فرصة لإعادة ترتيب قدراتها ثم العودة إلى التصعيد. ولهذا يمكن قراءة الموقف السعودي ضمن معادلة متكاملة: حماية المملكة، ودعم الدولة اليمنية، والإسناد للحل السياسي، وحماية الملاحة الدولية، ومعالجة القنوات التي تطيل أمد الصراع.

إنهاء التهديد لا يعني إغلاق باب السياسة، بل توفير الشروط الأمنية التي تجعل السياسة قادرة على إنتاج سلام حقيقي. ولم يعد المطلوب من المجتمع الدولي إصدار بيانات جديدة بقدر ما هو مطلوب الانتقال إلى التنفيذ الفعلي.

وتتجه الدعوة إلى موقف دولي موحد وحازم يوقف تدفق الأسلحة والتمويل والخبرات إلى الحوثيين، وينفذ قرارات مجلس الأمن، ويلاحق شبكات التهريب والتمويل، ويحمي الملاحة في البحر الأحمر، ويدعم الحكومة اليمنية ومؤسسات الدولة، على أن يكون السلام في اليمن مشروعاً لإنهاء أسباب الحرب، لا مجرد هدنة تؤجلها.

أما المملكة العربية السعودية، فمن حقها أن تحمي أمنها وسيادتها ومواطنيها ومقدراتها، وأن تتخذ ما يلزم وفق القانون الدولي لمواجهة أي تهديد. فالطريق إلى السلام يبدأ بوقف مصادر الحرب، والطريق إلى استقرار اليمن يبدأ بعودة القرار الأمني والعسكري إلى سلطة الدولة، والطريق إلى أمن البحر الأحمر يبدأ بإرادة دولية لا تسمح بتحويل الممرات الدولية إلى رهينة للسلاح خارج الدولة.

لقد حان وقت الانتقال من التردد إلى الفعل، ومن إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني