لا تزال الانتقادات السياسية في فرنسا تتوالى على حكومة سيباستيان لوكورنو، على خلفية أعمال العنف والتخريب التي شهدتها البلاد نهاية الأسبوع الماضي. وقد اتهمت زعيمة حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف مارين لوبان ورئيسه جوردان بارديلا الحكومة بالعجز عن مواجهة مثيري الشغب الذين أقدموا على تدمير ونهب ممتلكات عامة وخاصة.
استغلال سياسي للأحداث
سعى حزب التجمع الوطني إلى توظيف أعمال الشغب التي وقعت في فرنسا خلال نهاية الأسبوع الماضي سياسياً، في محاولة لكسب مزيد من الدعم. ووصف الحزب نفسه بأنه حزب “الأمن والنظام”، رغم أنه لم يقدم حلولاً واضحة للخروج من الأزمة المستمرة منذ 17 سبتمبر الماضي، حين خرج طلاب الثانويات إلى الشوارع للتظاهر مطالبين بتحسين ظروف الدراسة وتوفير إمكانيات أكبر لقطاع التربية.
وقبل خطاب الرئيس إيمانويل ماكرون، نشرت مارين لوبان الأحد كلمة مصورة على مواقع التواصل الاجتماعي، ظهرت فيها مرتدية ثوب “الرئيسة” في مكتب، مع ظهور العلم الفرنسي بشكل بارز خلفها. كما عقد جوردان بارديلا مؤتمراً صحفياً، واقفاً خلف منبر كُتبت عليه عبارة “في مواجهة الفوضى، فرنسا في ظل النظام”، في إشارة إلى أنه مرشح لتولي منصب رئيس الوزراء في حال وصول لوبان إلى السلطة.
اتهامات متبادلة بين اليمين واليسار
أتاحت مشاهد العنف والنهب التي تكررت على شاشات القنوات الإخبارية طوال عطلة نهاية الأسبوع لحزب التجمع الوطني فرصة انتقاد عجز الحكومة عن فرض الأمن والنظام في الشوارع، وذلك بالتزامن مع اتهام حزب فرنسا الأبية وزعيمه جان لوك ميلنشون بالوقوف وراء هذه الفوضى.
وقالت لوبان في كلمتها الأحد: “إن بلدنا محاصر ووقع رهينة العنف والعجز. هناك قوى التدمير التي تجعل العنف أمراً عادياً وتشجع المواجهات وتستهدف رجال الشرطة والمؤسسات وممثلي الدولة المكلفين بفرض سلطتها، باعتبارهم أعداء يجب القضاء عليهم”. ورجحت أن لهذا التيار جناحين: “الأول يتمثل في حزب فرنسا الأبية، والثاني يتمثل في مجموعات مناهضة للفاشية”.
وأضافت لوبان: “إن البلاد تواجه سلطة ماكرونية وصلت إلى نهاية قدرتها، منهكة ومشوشة، ولا يبدو أنها قادرة الآن على فعل شيء سوى التعليق على عجزها وانحدارها”. وتابعت منتقدة الحكومة التي “تستنكر الأحداث من دون أن تتمكن من منعها أو السيطرة عليها أو حتى إدارتها”.
وتجلى هذا الاتهام المزدوج طوال عطلة نهاية الأسبوع في منشورات مرئية نشرها حزب التجمع الوطني عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وأظهر أحد مقاطع الفيديو انهيار برج الجرس في مبنى بلدية ليموج (وسط فرنسا)، مصحوباً بعبارة: “أعمال شغب حزب فرنسا الأبية – ماكرون: الجمهورية تنهار”.
تحليل الخبراء: خطاب متوقع من اليمين المتطرف
في تعليقه على تصريحات لوبان، قال جان إيف كامو، رئيس مرصد التطرف السياسي التابع لمؤسسة جان جوريس والمتخصص في شؤون اليمين المتطرف، إن “هذا الخطاب متوقع إلى حد كبير من اليمين المتطرف فيما يتعلق بمسألة فرض النظام”. وأضاف أن “مارين لوبان تستفيد من كون كثير من الفرنسيين لم يشاهدوا المظاهرات إلا عبر صور العنف التي تبثها القنوات الإخبارية، والتي تعزز الانطباع بأن ما يجري ليس سوى أعمال شغب، فضلاً عن خطاب الرئيس الذي لم يستجب لتطلعات المواطنين”.
وتابع كامو أن لوبان تبنت أسلوباً رئاسياً واضحاً، إذ رسمت خطاً فاصلاً بين المطالب المشروعة وضرورة الحفاظ على النظام العام، بينما اتخذ جوردان بارديلا موقفاً أكثر حدة.
مقترحات لوبان وبارديلا: من “من يكسر يدفع” إلى تخفيض سن المسؤولية الجنائية
في خطابها، حددت لوبان ثلاث قواعد يجب اتباعها: الأولى تعتمد على مبدأ “من يكسر يدفع”، الذي يقضي بإلزام المتسببين في أعمال التخريب بتحمل تكاليف إصلاح الأضرار الناجمة عنها. القاعدة الثانية تتمثل في “إعادة إرساء النظام الجمهوري” الذي أفلت من الحكومة الحالية وفق لوبان. أما الثالثة فتكمن في “دولة تستمع وتفهم وتتخذ القرارات”، مشيرة إلى أنها ستحقق التغيير الذي تنوي فرضه في حال وصلت إلى سدة الحكم.
أما بارديلا، فقد قدم تفاصيل أكثر عما طرحته مرشحة اليمين المتطرف للرئاسة، مستشهداً بحوادث عنف سابقة حمل ماكرون مسؤوليتها. ومن بين هذه الحوادث: الفشل في تنظيم نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم في ملعب فرنسا عام 2022، وأعمال الشغب في المدن التي أعقبت مقتل الشاب نائل عام 2023، وكذلك أعمال التخريب التي ارتكبها مثيرو الشغب خلال احتفالات فوز باريس سان جرمان بدوري أبطال أوروبا في عامي 2025 و2026.
وقال بارديلا متهماً خصومه: “في كل مرة، فرنسا جديدة تسعى إلى الهيمنة على فرنسا أخرى. وفي كل مرة، نرى التحالف المدمر بين ميليشيات اليسار المتطرف ومفترسي الضواحي. فالأولى تريد تدمير الدولة، بينما يسعى الآخرون إلى الانتقام من فرنسا”. وتجدر الإشارة إلى أن بارديلا كان يشير بذلك إلى مصطلح “فرنسا الجديدة” الذي طرحه جان لوك ميلنشون.
ولم يقدم لا مارين لوبان ولا جوردان بارديلا إجراءات ملموسة للاستجابة لمطالب المتظاهرين. لكنهما لم يفوتا الفرصة للتأكيد مرة أخرى بأن الوضع الراهن يرتبط أيضاً بالهجرة، وأن الأولوية العاجلة تتمثل في دعم قوات الأمن.
إجراءات صادمة: “إذا اعتديت على شرطي، فستنام في السجن”
أكد بارديلا ضرورة “إنهاء نزع سلاح الشرطة” ومنح عناصرها “قرينة الدفاع الشرعي”، حتى لا يجدوا أنفسهم مضطرين إلى التراجع أمام جانحين يستخدمون العنف. كما دعا إلى “انتفاضة في السياسة العقابية” وإنهاء ما وصفه بـ”ثقافة التماس الأعذار” من خلال خفض سن المسؤولية الجنائية إلى 16 عاماً، وتعليق المخصصات العائلية عن بعض الأسر التي تورط أفرادها في أعمال عنف وتخريب. وطالب بفرض عقوبات على من يعتدي على قوات الأمن، ملخصاً موقفه بالقول: “إذا اعتديت على شرطي، فستنام في السجن”.
هل تضمن هذه الاستراتيجية الفوز في انتخابات 2027؟
يرى فريديريك دابي، مدير معهد استطلاعات الرأي الفرنسي “إيفوب”، في تصريحات لوكالة الأنباء الفرنسية، أن أعمال العنف التي شهدتها عطلة نهاية الأسبوع “تشكل صدمة، ولن تمر من دون عواقب”. وأضاف أنه ينبغي انتظار نتائج أولى استطلاعات الرأي التي ستجرى بعد أحداث 17 أكتوبر، لكنه رجح منطقياً أن تسهم هذه الأحداث في تعزيز القاعدة الانتخابية لمارين لوبان في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية.
من جانبه، يرى جان إيف كامو أن “نهاية ولاية الرئيس ماكرون وعدم إمكانه الترشح مجدداً فضلاً عن عدم تمتعه بأغلبية في الجمعية الوطنية هي عوامل استفادت منها مارين لوبان. وبحسب كامو، فإن هذه الظروف تسمح لمارين بأن تجسد، في نظر شريحة من الفرنسيين، صورة الشخصية القوية القادرة على فرض السلطة”. لكنه استدرك قائلاً إن الانتخابات ستجرى بعد ستة أشهر، وإن أحداثاً كثيرة قد تقع قبل ذلك، مشيراً إلى أنه ليس من المؤكد أن تظل مشاهد الفوضى حاضرة في أذهان الفرنسيين عند قدوم موعد التصويت.