تشير موجات الحر المتصاعدة وحرائق الغابات والجفاف في القارة الأوروبية إلى أن تغير المناخ لم يعد مجرد قضية بيئية، بل أصبح يشكل خطراً مباشراً على الأمن والاستقرار والبنية التحتية والاستعدادات العسكرية في أوروبا. هذا ما أكده الباحث الأول في شؤون البيئة والمجتمع باتريك شرودر، في تقرير نشره المعهد الملكي للشؤون الدولية “تشاتام هاوس”.
المناخ يفتح جبهة أمنية جديدة أمام أوروبا
وصف شرودر تغير المناخ بأنه أكبر تهديد أمني منهجي تواجهه أوروبا حالياً. ففي الوقت الذي تشهد فيه القارة أحد أقسى فصول الصيف على الإطلاق، مع موجات حر قاتلة وجفاف وحرائق غابات، لا يوجد أي تهديد آخر يؤثر في الوقت نفسه على هذا العدد الكبير من الدول والسكان والأنظمة الحيوية.
خلال موجة الحر في يونيو، ساهمت درجات الحرارة المرتفعة في وفاة نحو عشرة آلاف شخص إضافي، كما دمرت ما يقدر بتسعة ملايين طن من المحاصيل الزراعية في مختلف أنحاء أوروبا.
وامتد الجفاف وحرائق الغابات إلى معظم مناطق القارة، حيث احترق أكثر من 600 ألف هكتار من الأراضي والغابات منذ بداية العام، وأجبر مئات الآلاف من الأشخاص على النزوح من منازلهم.
لا يقتصر الاضطراب على مناطق الكوارث المباشرة، بل يتجاوز الحدود الوطنية. فالحرارة الشديدة ونقص المياه يهددان الأمن الغذائي والمائي، ويعرقلان حركة النقل النهري والسكك الحديدية، ويفرضان ضغوطاً كبيرة على خدمات الصحة والطوارئ. كما لحقت أضرار بالمنازل والشركات والبنية التحتية الحيوية، وأدت مستويات الأنهار المنخفضة إلى توقف بعض المفاعلات النووية عن العمل بسبب نقص مياه التبريد المناسبة، مما يهدد سلاسل إمدادات الطاقة.
كما يجعل تغير المناخ أوروبا أكثر عرضة لهجمات غير تقليدية. فقد حذر رئيس الوزراء البريطاني ندي بيرنام الأسبوع الماضي من أن موجات الحر والجفاف الممتدة يمكن أن تحول البلدان إلى “صندوق سريع الاشتعال”، وذلك قبل أن تصدر حكومته تحذيراً عاماً طارئاً بشأن حرائق الغابات.
ويشير شرودر إلى أنه في ظل هذه الظروف، قد يؤدي عمل واحد من أعمال إشعال الحرائق عمداً إلى عمليات إجلاء جماعية، وتدمير البنية التحتية، وإغراق خدمات الطوارئ. كما أن تنفيذ هجمات إشعال الحرائق أمر سهل، بينما يصعب على السلطات منعها، مما يجعل حرائق الغابات أداة محتملة للإرهاب أو الحرب غير المتماثلة شديدة التدمير.
خلال هذا العام، اعتقلت فرنسا نحو 500 شخص للاشتباه في إشعالهم حرائق، وأعلنت وزارة الداخلية في 30 يوليو أن نحو 70% من المحتجزين متهمون بإشعال الحرائق عمداً. في الوقت نفسه، تسببت الضربات الروسية مراراً في اندلاع حرائق غابات داخل أوكرانيا، حيث أدت هجمات بطائرات مسيرة في مايو 2026 إلى عدة حرائق في منطقة تشيرنوبل المحظورة ومنطقة جيتومير.
البنية التحتية الحيوية تحت ضغط المناخ
يرى شرودر أن تغير المناخ يؤثر أيضاً في الجاهزية العسكرية الأوروبية من خلال إلحاق أضرار بالقواعد الجوية والمطارات وشبكات النقل. على سبيل المثال، ساهمت الظروف الجافة الممتدة في اندلاع حرائق غابات بدأت في مناطق تدريب عسكرية في هولندا في أبريل.
كما أن أي اضطراب يصيب البنية التحتية الأوسع، مثل شبكات الكهرباء أو النقل، يمكن أن يقوض العمليات العسكرية بشكل مباشر. وتضطر القوات المسلحة الأوروبية الآن إلى الاستعداد للانتشار بصورة متكررة لمكافحة الحرائق، وتعزيز الدفاعات ضد الفيضانات، ودعم عمليات الإجلاء، وتوصيل إمدادات الطوارئ، وإعادة تأهيل البنية التحتية الحيوية، مما يؤدي إلى تحويل الأفراد والقدرات اللوجستية بعيداً عن التهديدات الأمنية الأخرى.
وهذا يحدث بالفعل. وفقاً لمجلس المخاطر الاستراتيجية، جرى نشر القوات المسلحة أكثر من 30 مرة استجابة لحرائق الغابات في أنحاء أوروبا خلال شهري يونيو ويوليو وحدهما. في يوليو، نشرت إسبانيا أكثر من 1200 فرد عسكري و400 مركبة لمواجهة حريق كبير واحد. وفي المملكة المتحدة، يشارك حالياً نحو 200 فرد عسكري في مكافحة حرائق الغابات في جنوب ويلز.
ويؤكد شرودر أن حجم هذه المخاطر ونطاقها يتطلبان اتخاذ إجراءات. يعترف تقييم الأمن المناخي الصادر عن منظمة العلوم والتكنولوجيا التابعة لحلف الناتو في يناير 2026 بأن تغير المناخ يمثل “مشكلة منهجية” تؤثر في جميع المخاطر الأمنية الأخرى. ويخلص التقييم إلى ضرورة تحديث خطة الناتو الحالية للعمل بشأن تغير المناخ والأمن، التي نشرت في عام 2021، بصورة شاملة، وترجمة المعرفة المتعلقة بالمناخ إلى إجراءات عملية، بدعم من تنسيق أفضل وأكثر رسوخاً مؤسسياً بين العلماء والمتخصصين في الدفاع وصانعي السياسات.
وبعيداً عن خطة الناتو، هناك حاجة إلى نهج أوروبي أوسع قائم على مفهوم الأمن في التعامل مع تغير المناخ. التزم أعضاء الناتو الأوروبيون بإنفاق 5% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع بحلول عام 2035، بما في ذلك ما يصل إلى 1.5% على استثمارات أوسع مرتبطة بالدفاع والأمن مثل البنية التحتية الحيوية والقدرة على الصمود. وعلى الرغم من اعتراف الناتو بتغير المناخ باعتباره تهديداً أمنياً، فإنه لم يحدد صراحة التكيف مع تغير المناخ باعتباره إنفاقاً مرتبطاً بالدفاع. غير أن الاستثمار في التكيف يمكن أن يسهم بشكل كبير في تعزيز القدرة على الصمود على المدى الطويل.
وبالمثل، ينبغي أن تكون الاستثمارات في البنية التحتية والحماية المدنية والاستعداد لمواجهة الطوارئ قادرة على الصمود أمام تغير المناخ ومهيأة للمستقبل. يمكن تصنيف هذه الاستثمارات، من الناحية المحتملة، ضمن نسبة 1.5% المحددة بصورة غامضة للإنفاق الأوسع المرتبط بالأمن. ومن ثم، فإن اعتبار الإجراءات المناخية استثمارات أمنية مهمة من شأنه أن يساعد على توجيه الموارد الشحيحة وتحسين القدرة على الصمود، مع إمكانية مساعدة الدول الأعضاء أيضاً على الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالإنفاق.
ساهمت سياسات المناخ والطاقة الأوروبية في خفض انبعاثات دول الاتحاد الأوروبي الـ27 إلى نحو 35% دون مستويات عام 1990، لكن الاتحاد الأوروبي لا يزال مسؤولاً عن 3.2 جيجا طن من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري سنوياً، أي نحو 6% من الانبعاثات العالمية. لا تقتصر أهمية إزالة الكربون في أوروبا على خفض الانبعاثات، بل تمتد أيضاً إلى تأثيرها العالمي في توجيه الدول الأخرى وتشجيعها على أن تحذو حذوها.
يمكن أن يقلل الاستعداد والتكيف من الخسائر البشرية والأضرار، لكنهما لن يتمكنا من مواكبة التفاقم المستمر للحرارة والجفاف والفيضانات والحرائق إلى أجل غير مسمى. فأوروبا هي القارة الأسرع احتراراً في العالم، ولن تكون سياساتها الحالية وتعهداتها المناخية كافية للتكيف الكامل مع الزيادة المتوقعة في متوسط درجة الحرارة العالمية، والتي تتراوح بين 2.4 و3.9 درجة مئوية خلال هذا القرن. لذلك، يجب أن يترافق الاستثمار في القدرة على الصمود مع خفض سريع للانبعاثات وتعزيز الالتزام السياسي بإزالة الكربون، باعتبار ذلك الوسيلة الأساسية لمنع تحول التهديد إلى خطر أكثر حدة وصعوبة في السيطرة عليه.
تكلفة التكيف أقل من فاتورة الكوارث
تشير التقييمات إلى أن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى استثمار نحو 70 مليار يورو سنوياً في التكيف مع تغير المناخ حتى عام 2050 لتجنب أسوأ الآثار. وتحتاج المملكة المتحدة إلى استثمار نحو 11 مليار جنيه إسترليني سنوياً، وفقاً لتقرير صادر في مايو عن لجنة تغير المناخ البريطانية.
على الرغم من أن هذه المبالغ قد تبدو كبيرة، إلا أنها متواضعة مقارنة بالتكلفة المتزايدة لعدم اتخاذ أي إجراء. فقد تسببت الكوارث المرتبطة بالمناخ في خسائر مباشرة للاتحاد الأوروبي بلغت في المتوسط 45 مليار يورو سنوياً خلال الفترة 2020-2024، بينما قد يكلف ضعف التكيف المملكة المتحدة ما بين 60 و260 مليار جنيه إسترليني سنوياً بحلول عام 2050.
ستحقق العديد من الإجراءات تكلفتها عدة مرات. على سبيل المثال، وفقاً للمركز المشترك للبحوث التابع للمفوضية الأوروبية، يمكن لكل يورو يُستثمر في الحماية من الفيضانات الساحلية أن يتجنب نحو 6.35 يورو من الأضرار، إلى جانب إنقاذ الأرواح وحماية موارد أخرى.
وبذلك، تعد التكاليف المقدرة للتكيف صغيرة مقارنة بالمخاطر التي يمكن تجنبها والأضرار التي يمكن تفاديها. لذلك، ينبغي النظر إلى التكيف مع تغير المناخ ليس باعتباره نفقات بيئية، بل استثماراً فعالاً من حيث التكلفة وضرورياً في الأمن القومي الأوروبي والاستقلالية الاستراتيجية.