24 أكتوبر 2026 – على الرغم من المخاوف التي أثارتها الهجمات الصاروخية التي استهدفت مدينة عدن خلال الأسابيع الماضية، اجتمع طهاة وزوار في المدينة اليمنية حول موائد الزربيان، ليحتفوا بهذا الطبق المرتبط بأعيادهم وأفراحهم، معبرين عن تمسكهم بمساحة للفرح واللقاء.
وشهدت عدن يومي الاثنين والثلاثاء الماضيين فعالية “مهرجان الزربيان العدني” الذي حمل شعار “الطعم الذي يجمعنا”، وجمع عشاق الوجبة الشعبية وأبرز مكانتها في الموروث الغذائي والاجتماعي للمدينة. ووفقاً للمنظمين والمشاركين الذين تحدثوا لوكالة الأناضول، فإن المهرجان تجاوز كونه مجرد تعريف بالطبق وطرق إعداده، ليحمل رسالة أعمق تتعلق بالتمسك بالحياة والتقاليد الاجتماعية رغم القلق من القصف.
التمسك بالتراث رغم المخاوف
أكد مدير المهرجان شعيب العفيف أن الفعالية جاءت احتفاء بوجبة تجاوزت شهرتها حدود عدن لتصل إلى المحافظات اليمنية ودول عربية وخليجية. وقال العفيف للأناضول: “المهرجان رسالة واضحة بأن الحياة لا تتوقف أمام الخوف، وأن أبناء عدن متمسكون بمدينتهم وتراثهم وأفراحهم، وكأنهم يقولون للعالم إننا نختار الحياة رغم كل ما يحيط بنا من قصف وتهديد”. وأضاف أن الفعالية أتاحت التعريف بمهارات الطهاة وتنوع طرق الإعداد والتقديم، وإبراز ما يميز المطبخ العدني من أطباق شعبية حافظت على حضورها عبر الأجيال. ورأى أن مثل هذه المهرجانات تكتسب أهمية في التعريف بالموروث الغذائي بوصفه أحد مكونات الهوية الثقافية للمدن، فضلاً عن إمكان الاستفادة منه في تنشيط الفعاليات السياحية والتراثية.
من جانبها، قالت الناشطة العدنية ورئيسة مؤسسة “أكون” ليلى الشبيبي إن الاستهدافات الصاروخية الأخيرة التي تعرضت لها عدن أثارت قلقاً بين سكانها، لكن إقامة المهرجان تعكس تمسك السكان بحياتهم الطبيعية وحرصهم على استمرار مناسباتهم وتقاليدهم، دون أن تطغى المخاوف على تفاصيل حياتهم اليومية. وأضافت أن “الزربيان بات جزءاً من طقوس الفرح والضيافة في عدن وباقي المدن اليمنية”.
الزربيان نكهة الهوية العدنية المتوارثة
يحضر الزربيان على موائد الأعياد والأعراس والولائم في عدن، حيث تتناقل الأسر والطهاة طرق إعداده بما تحمله من تفاصيل في اختيار المكونات وضبط التوابل ومراحل الطهي. وأوضح الطاهي أرحب محمد علي قاسم أن إعداد الزربيان يبدأ بتتبيل اللحم بالزبادي والثوم والبهارات، مع استخدام الأرز والبطاطس والبصل، إلى جانب الهيل والقرفة والقرنفل والكمون والكركم وغيرها من التوابل. وقال: “تُطهى المكونات وفق مراحل متتابعة، بما يسمح بتداخل النكهات وتشرّب اللحم والأرز بالتوابل، حتى يكتسب الطبق مذاقه الغني ورائحته الزكية التي تميزه عن غيره من الوجبات”. وبحسب قاسم، فإن خبرة الطاهي في اختيار المقادير وضبط الحرارة وتوقيت الطهي من أهم أسرار نجاح الزربيان، الذي تتوارث الأجيال طرق إعداده وتحافظ على مكانته في المطبخ العدني.
أما المواطن تنوير حسن إسماعيل، فربط حضور الزربيان بالذاكرة العائلية، قائلاً إن لكل أسرة تفاصيلها في إعداده وتقديمه، وإن رائحته تستحضر لدى كثيرين ذكريات الأعياد واجتماعات الأقارب. وأشار إلى روايات متداولة تربط جذور الطبق بالمطبخ الهندي وانتقاله إلى عدن عبر التفاعل التاريخي والثقافي، قبل أن يكتسب هويته العدنية الخاصة.
مائدة للضيافة واللقاء
وصفت الصحفية العدنية نائلة هاشم الزربيان بأنه من أبرز الموروثات الغذائية المرتبطة بذاكرة المدينة ومناسباتها الاجتماعية، مؤكدة أن الوجبة تعكس قيم الكرم والضيافة والتواصل الاجتماعي، وتجسد جانباً من الهوية الثقافية لعدن. وعن المهرجان، قالت إنه “فرصة للتعريف بهذا الموروث الأصيل، وإبراز خصوصية المطبخ العدني، بما يسهم في الحفاظ على التراث المحلي ونقله إلى الأجيال القادمة”. ورغم انقضاء المهرجان، ترى الشبيبي أن دلالته تتجاوز المناسبة، لتعكس حرص عدن على صون عاداتها وموروثها وإبقاء تفاصيل حياتها الاجتماعية حاضرة رغم الظروف المقلقة. وبين مهارات الطهاة وذكريات الموائد العائلية، جمع المهرجان جوانب من تراث المدينة، ومنح المشاركين مناسبة للاحتفاء بطبق يتوارثون مذاقه، ويتمسكون بما يصاحبه من ألفة وفرح.