انتقل إلى المحتوى الرئيسي
عربي و عالمي

بعثة تقصي الحقائق: القصف بالطائرات المسيّرة والقمع يجهضان أي حوار في السودان

بعثة تقصي الحقائق: القصف بالطائرات المسيّرة والقمع يجهضان أي حوار في السودان

حذرت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في السودان من أن تزايد الهجمات التي تشنها الطائرات المسيّرة، بالتزامن مع تصاعد القمع وتقييد الحريات المدنية، يضع المدنيين في مواجهة مخاطر متزايدة مع اتساع رقعة النزاع.

وأفادت البعثة في تقرير صدر مساء الأربعاء الثامن والعشرين من أكتوبر تحت عنوان “حرب السودان بلا هوادة: الدمار المدني وتفاقم انعدام الأمن في الأبيض”، بأن تراجع مستوى التهديد العسكري المباشر أو إعادة فتح بعض الطرق لم يوفرا حماية حقيقية للسكان. فما زالت المسيّرات تهدد الأحياء السكنية والمرافق المدنية، بينما يؤدي الاعتقال والمراقبة والترهيب إلى تقليص قدرة المدنيين على طلب الحماية أو الإبلاغ عن الانتهاكات.

وأكدت البعثة أن تقويض الحريات المدنية لا يهدد الأفراد فحسب، بل يضعف حماية المدنيين، ويعرقل توثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، ويقوض فرص إجراء حوار سوداني حقيقي وشامل لإنهاء النزاع. وخلصت إلى أنه “لا يمكن إجراء أي حوار سوداني ذي مصداقية في ظل هذه الظروف”.

مسيّرات الدعم السريع تهدد المدنيين

وثّق التقرير هجمات متكررة شنتها قوات الدعم السريع باستخدام الطائرات المسيّرة على مناطق مأهولة في مدينة الأبيض ومحيطها، شملت أحياء سكنية ومرافق تعليمية ومواقع لجأ إليها مدنيون، بالإضافة إلى منشآت مدنية وبنى تحتية أساسية. وأشارت البعثة إلى أن هذه الضربات أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى وإلحاق أضرار بالمنازل والخدمات، مما وسّع دائرة الخوف والنزوح.

ومن بين الوقائع التي أوردها التقرير ضربة استهدفت موقعاً للنازحين في الميناء البري بالأبيض في الثلاثين من سبتمبر، حيث أفادت تقارير بأنها قتلت طفلاً وأصابت اثني عشر آخرين. كما أشار التقرير إلى ضربة على سكن طلاب جامعة كردفان في الأول من أكتوبر، قيل إنها أوقعت خمسة قتلى وسبعة وأربعين جريحاً، وإلى تدمير أكثر من ثلاثمائة وثلاثين ألف مادة تعليمية في مخازن بشيكان.

وخلصت البعثة إلى أن نمط هجمات المسيّرات الذي وثقته ينتهك مبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين، وقد يرقى إلى جرائم حرب. كما أوردت تقارير عن هجوم للدعم السريع قرب مخيم للنازحين في ولاية النيل الأزرق، قيل إنه قتل ما لا يقل عن ثلاثين شخصاً بينهم نساء وأطفال، وعن ضربة على مركز صحي قتلت متطوعاً في الهلال الأحمر. وفي أم بادر، تحققت البعثة من مقطع مصوّر يظهر، وفق تقييمها، إعدام نحو خمسة وعشرين شخصاً معصوبي الأعين ومقيّدي الأيدي، يُعتقد أنهم كانوا تحت سيطرة أفراد من الدعم السريع.

الجيش يعرّض المدنيين للخطر ويقمع الحريات

في المقابل، قالت البعثة إن انتشار أفراد القوات المسلحة السودانية والقوات المتحالفة معها ومعداتها داخل الأحياء السكنية وبالقرب من المنازل والأسواق والمناطق المأهولة في مدينة الأبيض، عرّض المدنيين لخطر متوقع من الهجمات. ورأت أن الجيش لم يتخذ جميع الاحتياطات الممكنة لحماية السكان الخاضعين لسيطرته.

وشدد التقرير على أن وجود أهداف أو أفراد عسكريين قرب المدنيين لا يعفي قوات الدعم السريع من واجبها في حماية السكان، لكنه لا يعفي الجيش أيضاً من مسؤوليته عن تجنيبهم آثار العمليات العسكرية وتفادي نشر الأهداف العسكرية في المناطق المكتظة، متى كان ذلك ممكناً.

كما أورد التقرير هجوماً بمسيّرة على سوق في منطقة أبيي المتنازع عليها مع جنوب السودان في التاسع عشر من أكتوبر، نُسب إلى القوات المسلحة السودانية، وأفادت تقارير بأنه قتل ما لا يقل عن ثمانين شخصاً وأصاب سبعة وعشرين. وأكدت البعثة أنها تواصل التحقيق في الهجوم.

قمع الجيش وعنف جنسي ضد النساء

لكن أخطر ما وثقه التقرير في مناطق سيطرة الجيش هو استهداف الحريات المدنية. فقد خلصت البعثة إلى أن الجيش وأجهزة أمنية مرتبطة به وقوات متحالفة معه اعتقلت مدنيين تعسفياً، بينهم أطفال، للاشتباه في صلتهم بالدعم السريع أو تعاونهم مع جهود توثيق الانتهاكات، أو بسبب نشاطهم الإنساني والمدني وانتقادهم للسلطات.

وأشارت إلى احتجاز أشخاص فترات طويلة من دون مراجعة قضائية فعالة أو تمكينهم من التواصل مع المحامين وأسرهم، وإلى الضرب والتهديد والتعذيب وسوء المعاملة وانتزاع الاعترافات بالإكراه.

وتلقت البعثة أيضاً ادعاءات موثوقة عن تعرض نساء محتجزات للتحرش والعنف والاستغلال الجنسي، بما في ذلك الضغط عليهن من عناصر تابعة للجيش لتقديم خدمات جنسية مقابل الإفراج أو السماح بزيارة أسرهن. واعتبرت أن ممارسات الاحتجاز التي وثقتها قد تشكل انتهاكات خطيرة للقانون الدولي وجرائم حرب.

وقالت البعثة إن توظيف تهمة “التعاون مع الدعم السريع” ضد ناشطين ونقابيين وعاملين إنسانيين ومنتقدين أسهم في نشر الخوف وإسكات الأصوات المستقلة.

مسؤولية الأطراف الخارجية

وحمّلت البعثة القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع المسؤولية الأساسية عن الدمار والفظائع المرتكبة في السودان، مشيرةً إلى أن أطرافاً خارجية أسهمت في تأجيج النزاع والاستفادة منه. ودعت الدول والجهات من غير الدول إلى اتخاذ خطوات جدية لمنع نقل الأسلحة والمقاتلين وأي دعم آخر قد يساهم في وقوع الانتهاكات والجرائم الدولية في السودان.

كما دعت طرفي الحرب إلى احترام القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، والسماح بمرور المساعدات الإنسانية سريعاً ومن دون عوائق، وإنهاء الاعتقال التعسفي والتعذيب والانتقام من العاملين في المجال الإنساني والمدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والمجتمع المدني.

وخلص تقرير البعثة إلى أن استمرار الحرب وقصف الطائرات المسيّرة والقمع يغلقان الطريق أمام حوار حر وشامل. والحل يبدأ بوقف الحرب؛ فلا حوار سودانياً ذا معنى فيما تتواصل الهجمات ويُعتقل من يدعون إلى السلام أو يوثقون الانتهاكات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني