الحمد لله الذي دعا إلى الإنصاف والإحسان، وحذر من الظلم والعدوان، وجعل الحق معيارًا للتفاعل بين البشر، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
العرف ومكانته في الشريعة
في مجتمعنا القبلي موروث عريق تناقلته الأجيال، يحمل في طياته قيمًا نبيلة مثل الكرم والنخوة والشجاعة وإغاثة الملهوف وإكرام الضيف وصلة الرحم وحفظ الجيرة وإصلاح ذات البين والوقوف مع المظلوم. هذه القيم جزء من أصالة المجتمع ولا تتعارض مع الشريعة الإسلامية؛ بل إن كثيرًا منها من مكارم الأخلاق التي أكدها الإسلام ورسخها.
مع ذلك، فإن الاعتزاز بالموروث لا يعني أن كل عادة تصبح حكمًا ملزمًا، ولا أن قدم العادة يمنحها حق التقدم على شرع الله. القاعدة التي يجب أن تكون حاضرة في كل زمان ومكان هي أن حكم الله فوق كل حكم، وشرع الله فوق كل عرف، ولا حكم قبلي أفضل من حكم الشرع.
قال الله تعالى: «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ»، وقال سبحانه: «فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا». هذا الأصل العظيم يضع الأمور في مواضعها الصحيحة.
القبيلة لها مكانتها الاجتماعية، والعرف له اعتباره، ومشايخ القبائل وأهل الإصلاح لهم دور مهم في المجتمع، لكن كل ذلك لا يكون فوق شريعة الله. المرجع عند الاختلاف هو كتاب الله وسنة رسوله، والعدل هو الميزان الذي ينبغي أن يحكم علاقات الناس.
لا ينبغي أن نعتقد أن عرفًا متوارثًا يمكن أن يكون أفضل من حكم شرعي، أو أن الانتماء القبلي يبرر مخالفة الحق. الشرع أولًا، والحق أولًا، والعدل أولًا.
الصلح والإصلاح في ميزان الشرع
الشريعة لم تأت لإلغاء كل ما اعتاده الناس، وإنما جاءت بضوابط تحفظ الخير وتمنع الظلم. ما كان من العرف موافقًا للشرع، محققًا للمصلحة، حافظًا للحقوق، معينًا على الإصلاح، فهو من العادات التي يمكن المحافظة عليها.
أما إذا خالف العرف حكمًا شرعيًا، أو أدى إلى ظلم، أو أسقط حقًا، أو ألزم الإنسان بما لا يلزمه شرعًا، فهنا يجب أن تتوقف العادة عند حدود الشرع.
أهل العلم قرروا أن ما وافق الشرع من الأعراف فلا حرج فيه، وما خالف الشرع لا يجوز جعله ملزمًا للناس. هذا هو الفاصل الذي يجب أن يكون واضحًا للجميع: نحترم العرف في موضعه، لكن لا نقدمه على الشرع.
قد تستمر بعض العادات سنوات طويلة، حتى يظن الناس أن قدمها دليل على صحتها. لكن الحق لا يعرف بقدم العادة، ولا بكثرة من يعمل بها.
قال الله تعالى: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا». الآباء والأجداد لهم قدرهم ومكانتهم، ونحفظ لهم ما تركوه من القيم والمواقف النبيلة، لكن المرجع في الحلال والحرام والحقوق والواجبات هو شرع الله.
الوفاء للأجداد لا يكون بمخالفة الشرع من أجل عادة، وإنما يكون بالمحافظة على أجمل ما تركوه لنا من أخلاق وقيم ومواقف.
من أجمل ما في الموروث القبلي قيمة الإصلاح بين الناس، وهذه قيمة عظيمة جاءت بها الشريعة وحثت عليها.
قال الله تعالى: «وَالصُّلْحُ خَيْرٌ»، وقال سبحانه: «لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ»، وقال تعالى: «وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْل».
القرآن لم يذكر الإصلاح مجردًا، بل قرنه بالعدل. portanto، الصلح الحقيقي لا يكون على حساب المظلوم، ولا يكون بإهدار الحقوق، ولا يكون بفرض ما لا يقره الشرع.
إذا كان الصلح يعيد الحق ويطفئ الخصومة ويحفظ الكرامة، فهو إصلاح محمود. أما إذا كان يؤدي إلى ظلم طرف أو إسقاط حق ثابت، فهنا يحتاج إلى مراجعة وتصحيح.
الصلح الذي يقوم على العدل إصلاح، والصلح الذي يقوم على الظلم ليس من مقاصد الشريعة.
مسؤولية المشايخ وأهل الإصلاح
لمشايخ القبائل وأهل الإصلاح مكانة كبيرة، وكلمتهم مسموعة، ودورهم في جمع الكلمة وإنهاء الخصومات وإصلاح ذات البين محل تقدير.
لكن هذه المكانة تحمل مسؤولية عظيمة.
المصلح الحقيقي يجعل الحق أمامه، والعدل ميزانه، ورضا الله غايته.
الشيخ الذي ينصف المظلوم ولو كان من غير قبيلته، ويعطي كل ذي حق حقه ولو كان الحق على قريبه، هو الذي يرفع شأن قبيلته ويحفظ مكانتها.
قال الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ».
هذا ميزان عظيم، فالحق لا يتغير بسبب القرابة، ولا بسبب القبيلة، ولا بسبب المكانة الاجتماعية.
الاعتزاز بالقبيلة لا يعني التعصب.
الاعتزاز بالقبيلة والنسب ليس هو المشكلة، وإنما المشكلة عندما يتحول الاعتزاز إلى تعصب يجعل الإنسان ينصر قومه في الحق والباطل.
النخوة الحقيقية أن تقف مع المظلوم، لا أن تقف مع الظالم لأنه من قبيلتك.
الوفاء الحقيقي أن تنصر الحق، لا أن تنصر القريب في الخطأ.
الشرف الحقيقي أن تحفظ حقوق الناس، لا أن تسقط حقوقهم باسم العرف.
القبيلة حين تكون سندًا للحق تكون قوة للمجتمع، وحين يكون أهلها عونًا على الإصلاح تكون مصدرًا للخير، وحين يحتكم أبناؤها إلى العدل تكون مكانتها أرسخ وأبقى.
الأصالة الحقيقية والمسؤولية أمام الله
الأصالة ليست في أن نتمسك بكل ما ورثناه دون مراجعة.
الأصالة أن نعرف قيمة ما ورثناه، ونحافظ على الجميل منه، ونترك ما يخالف الشرع أو يوقع في الظلم.
نحافظ على الكرم، والنخوة، والشجاعة، والوفاء، وإغاثة الملهوف، وإكرام الضيف، وصلة الرحم، وحفظ الجيرة، وإصلاح ذات البين.
هذه قيم تستحق أن تبقى وأن تنتقل إلى الأجيال.
أما العادة التي تحتاج إلى تصحيح، فإن تصحيحها لا يعني التخلي عن الأصالة، بل يعني حماية الأصالة من أن تختلط بما لا يليق بها.
الحديث عن الأعراف والعادات ليس حديثًا اجتماعيًا مجردًا، بل هو مسؤولية أمام الله عز وجل.
من كانت له كلمة مسموعة، أو كان له دور في الإصلاح، أو شارك في حل خصومة، عليه أن يتقي الله في حقوق الناس.
لا يجعل العرف فوق الشرع، ولا يجعل رضا الجماعة فوق الحق، ولا يجعل المحافظة على عادة سببًا في ظلم إنسان.
قال الله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْل».
هذه الآية العظيمة تختصر جانبًا كبيرًا من طريق الإصلاح، أداء الأمانة، والعدل بين الناس، والبعد عن الظلم.
إننا لا نريد مجتمعًا يتخلى عن موروثه، كما أننا لا نريد مجتمعًا يجعل العادات فوق الشريعة.
نريد أن تبقى النخوة، ولكن مع العدل.
ونريد أن يبقى الإصلاح، ولكن دون ظلم.
ونريد أن تبقى مكانة القبيلة، ولكن دون تعصب.
ونريد أن تبقى العادات الجميلة، ولكن في إطار شرع الله.
هنا تكون الأصالة الحقيقية، أن نحفظ ما هو جميل من موروثنا، وأن نملك الشجاعة لتصحيح ما يحتاج إلى تصحيح.
ليس من الوفاء للماضي أن نتمسك بالخطأ لمجرد أنه قديم، وليس من الحكمة أن نجعل العادة ميزانًا للحق.
حكم الله عز وجل فوق كل حكم، وشرع الله فوق كل عرف، ولا حكم قبلي أفضل من حكم الشرع.
هذه ليست دعوة إلى إلغاء القبيلة، ولا إلى محاربة الموروث، وإنما دعوة إلى وضع كل شيء في موضعه الصحيح.
القبيلة عز وفخر، والموروث تاريخ وهوية، والعرف وسيلة للإصلاح، ولكن شرع الله هو المرجع، والعدل هو الأساس، والحق هو الغاية.
ما وافق الشرع من عاداتنا نحافظ عليه ونفتخر به، وما خالفه نراجعه ونصححه بالحكمة، لأن المسلم لا يجعل العادة فوق الحق، ولا يجعل الانتماء فوق العدل.
نحفظ أصالتنا، ونصون حقوقنا، ونحتكم إلى شرع الله، ونجعل العدل أساسًا لكل إصلاح .