سقطت دمشق في مرحلة جديدة من الصراع، لم تعد فيها المعارك تقاس بالمدافع أو الدبابات، بل بالعبوات الناسفة التي تُستغل كرسائل سياسية. في ظل تعقيد المشهد الأمني، تتقاطع الخلايا الإرهابية مع بقايا شبكات النظام السابق وتدخلات القوى الإقليمية، لتخلق بيئة يصبح فيها استهداف المرافق المدنية، مثل المقاهي، وسيلة لتحقيق أهداف أوسع.
تحول الهدف من المنشآت العسكرية إلى المراكز المدنية
لم يسبق أن تحول مقهى مزدحم في قلب العاصمة إلى هدف مباشر منذ سقوط نظام الأسد. فقد كان استهداف الكنائس والاجتماعات الأمنية والمؤسسات الحكومية هو السمة السائدة في الأشهر الأخيرة، لكن اليوم انتقل الضرب إلى مكان لا يحمل أي قيمة عسكرية أو سياسية، بل{0} يحمل قيمة اجتماعية أكبر، إذ يرمز إلى حياة المواطن اليومية التي سعت إلى استعادة إيقاعها بعد سنوات من الدمار.
FDF0C1D2-PLACEHOLDER لم تسفر التحقيقات الأولية عن اسم واضح للمنفذ، لكن نمط العملية يلامس أسلوب تنظيم داعش أو خلاياه المتبنية لعقيدته. تاريخياً، يلجأ التنظيم إلى استهداف المدنيين عندما تضيق مساحته للمنفذ، ولا يتطلب سيطرة على مدينة لتأكيد حضوره؛ عبوة واحدة وشبكة صغيرة تكفي لإعادة الظهور في العناوين. تحذيرٌ سبق ذلك بأشهر من أن خسارة داعش للأراضي لا يعني عودتها إلى بناء «دولة»، بل تحولها إلى شبكة خلايا صغيرة تنفذ عمليات دقيقة داخل المدن مستغلة أي ثغرة أمنية أو توتر سياسي. تعيش الساحة السورية توتراً متصاعداً بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، إلى جانب صراع مستمر بين إسرائيل وحزب الله. في مثل هذه الظروف، تصبح العمليات الإرهابية أدوات منخفضة التكلفة وعالية التأثير لتشتيت انتباه السلطات وإعاقة مسار الاستقرار. ليس من الضروري أن تكون القوى الإقليمية مباشرة وراء كل تفجير لتستفيد من نتائجه. فإسرائيل، منذ سقوط النظام السابق، أبدت رفضها للسلطة الجديدة في دمشق، واستمرت في تنفيذ غاراتها وتوغلها داخل الأراضي السورية، معتبرة أي تراجع أمني في العاصمة دليلاً على هشاشة الدولة. تتداخل في المشهد السوري شبكات من ضباط الأمن والعسكريين السابقين، ذوي الخبرة في التفخيخ والتمويه، مع شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات التي لا تزال نشطة. هذه البيئة التي تراكمت فيها سنوات من الصراع لا تختفي فجأة، وتوفر للمنظمات الإرهابية موارد وخبرات لا غنى عنها. القوى الطائفية المدعومة من الخارج لا تحتاج إلى تنسيق موحد لتجنيب هدفها؛ يكفي أن ينفذ طرف واحد عملية تخدم مصالح أطراف أخرى. هكذا تنعكس مكاسب سياسية على خصوم الدولة السورية، وتستمر الفوضى في إبطاء عملية التعافي. إجمالاً، يبقى السؤال الحقيقي ليس فقط من زرع العبوة، بل من تتقاطع مصالحه مع هذا الفعل. وبينما تسعى الحكومة الجديدة إلى تثبيت مؤسسات الدولة وتعزيز سيطرتها الأمنية، يظل المشهد السوري في إحدى أكثر مراحله اضطراباً منذ سنوات، حيث تُقاس الحروب الآن بعدد العبوات التي تسعى إلى زعزعة الثقة وإبطاء مسار الانتعاش.
السياق الإقليمي وتداخل المصالح
حرب الظل بين الأطراف المتصارعة