أصبح الإعلام اليوم امتدادًا طبيعيًا للممارسة الصحية، إذ لا يقتصر تواصل الممارس الصحي مع جمهوره على جدران العيادة فحسب، بل يمتد إلى الشاشات، ومنصات التواصل الاجتماعي، والبودكاست، والمقاطع القصيرة. بهذه القنوات يستطيع رفع مستوى الوعي الصحي لمجتمع كامل كما كان يفعل مع مريض واحد، وهو تحول إيجابي يستحق الدعم، لأن الجمهور يطلب صوتًا علميًا موثوقًا وسط فضاءٍ تملأه المعلومات المتضاربة والشائعات والنصائح غير المدعمة بأدلة.
فرص وتحديات الإعلام الصحي
مع هذه الإمكانات تبرز مسؤوليات جديدة؛ فالإعلام بطبيعته يفضّل الرسائل السريعة والجذابة، بينما يتطلب الطب دقةً وتوازنًا وشرحًا للاحتمالات. ما يجذب انتباه المتابع ليس دائمًا ما يعكس حقيقة العلم. وتعمل خوارزميات المنصات على تفضيل المحتوى الأكثر إثارة على حساب الدقة، فيجد الطبيب نفسه أمام معضلة حقيقية: كيف يصوغ رسالة واضحة ومؤثرة دون أن يختزل الحقيقة العلمية أو يبالغ في تبسيطها؟
اللغة بين غرفة الكشف والشبكة
التحدي لا يكمن في اختلاف المعلومة بحد ذاته، بل في الاختلاف اللغوي عند تقديمها. ما يُقال داخل عيادة الطبيب بلغة دقيقة ومتوازنة قد يُعاد صياغته على المنصات الرقمية بصورة أكثر حسمًا أو إثارة للانتباه. الحقيقة العلمية لا تتغير، لكن طريقة عرضها قد تتبدل، وهذا التغيير قد يكون كافيًا لتوليد أثر مختلف تمامًا في فهم المتلقي واتخاذه قراراته الصحية.
التسويق والشفافية في حضور الطبيب الرقمي
أصبح من المعتاد أن يسعى الطبيب إلى بناء حضوره المهني عبر الإنترنت، وتعريف الجمهور بخبراته ومؤسسته الصحية والخدمات التي يقدمها. هذا السلوك لا يُعدّ مسألة إشكالية بحد ذاته، بل قد يسهل وصول المرضى إلى مقدم الخدمة المناسب. إلا أن القيمة الأخلاقية لا تقاس بوجود التسويق، بل بطرق ممارسته؛ فهناك فرق واضح بين إبلاغ المجتمع بخبراته وإغراق منصاته بالمبالغة أو إثارة المخاوف أو تقديم وعود علاجية غير واقعية، أو تفضيل الجاذبية التسويقية على الصدق العلمي.
يتجلى التحدي أيضًا في ما لا يُقوله الممارس الصحي. الإفصاح عن أي علاقة مالية أو مصلحة تجارية عند الحديث عن منتج أو خدمة أصبح جزءًا من حق الجمهور في تقييم الرسالة، وهو من متطلبات الشفافية التي تعزز الثقة ولا تُضعفها.
دور المتلقي والمسؤولية المشتركة
إكمال المشهد الأخلاقي يتطلب متلقًا أكثر وعياً؛ فالمجتمع شريك في هذه المنظومة. كلما ارتبطت الثقة بعدد المتابعين أو جودة الإنتاج أو شهرة المنصة أكثر من ارتباطها بالكفاءة المهنية والدليل العلمي، كلما تشجعت البيئة الإعلامية على الرسائل التي تجذب الانتباه على حساب تعزيز المعرفة. لذا فإن رفع الوعي الصحي لا يقتصر على تصحيح المعلومات، بل يشمل تمكين الناس من تقييم مصادرها والتمييز بين المعلومة الطبية الموثوقة والمحتوى الذي يستمد تأثيره من أساليب العرض أكثر من قوته العلمية.
هنا تظهر أخلاقيات المهنة كحد فاصل؛ فإن الطبيب لا يفقد صفة المهنية عندما يغادر عيادته، ولا تتغير مسؤولياته الأخلاقية عندما يقف أمام الكاميرا. المبادئ التي تحكم علاقته بالمريض داخل غرفة الكشف يجب أن تحكم كل كلمة يقولها علنًا: الصدق، والشفافية، والاستقلالية، واحترام الدليل العلمي، وتقديم مصلحة المريض والمجتمع على أية اعتبارات أخرى.
لذلك لا ينبغي أن يُطرح سؤال «هل يظهر الطبيب في الإعلام أم لا؟» بل يجب التركيز على «كيف يظهر؟». الهدف ليس الحد من حضور الممارسين الصحيين في الساحة العامة، بل تمكينهم من ممارسة هذا الدور ضمن إطار أخلاقي واضح يحفظ المجتمع من التضليل، ويحافظ على مكانة المهنة، ويمنح الطبيب الثقة بأن خطابه العلني امتداد لرسالته المهنية.
غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي مكان النشر للكلمة الطبية، لكنها لم تُغيّر قيمتها ولا خفّضت من مسؤولية قائلها. إذا انتقل الطبيب من غرفة الكشف إلى المنصات الرقمية، فإن أخلاقيات المهنة يجب أن تنتقل معه بنفس الوضوح.
ربما لا نحتاج إلى أخلاقيات مهنية جديدة بقدر ما نحتاج إلى قراءة جديدة لأخلاقيات المهنة في ضوء الواقع المتجدد. المنصات تتطور وأدوات التواصل تتقدم، لكن المبادئ التي تحافظ على كرامة المهنة وتضمن ثقة المجتمع لا ينبغي أن تتبدل. المسؤولية التي يحملها الطبيب أمام مريض واحد هي ذاتها التي يحملها أمام ملايين المتابعين؛ لأن أخلاقيات المهنة لا تنتهي عند باب العيادة، بل ترافق الطبيب أينما وصل صوته وأيًا كانت المنصة التي يخاطب من خلالها الجمهور.