التعليم من أفلاطون إلى العصر الصناعي
منذ أفلاطون وما قدمه من نظرية تربط التعليم بتذكر ما كان في عالم الروح أو المثل، مرورًا بالقرن التاسع عشر كانت النظريات التعليمية منشغلة بصناعة المفكر. ومع اتساع الفجوة بين التخصصات وتطور الصناعة وانفتاح الأسواق، ثم مرور الحربين العالميتين والتحديث العسكري، انصب اهتمام كثير من الباحثين على إنتاج الموظف المتخصص فحسب.
صعود الموظف على حساب المفكر
في مختلف أنحاء العالم ندد المفكرون بتراجع الثقافة والقدرات النقدية أمام ثقافة الدعاية والتسويق، حتى بات انتقاد العلموية والدعوة لموت الفلسفة لصالح طرائق تفكير تشبه صناعة الآلات أمرًا شائعًا. وفي ظل التوتر العسكري والسياسي في المنطقة العربية ظهر محللون يخبرون الجماهير بما ترغب في سماعه، وظهر متعلمون بعقلية الموظف مثل ضياء العوضي وما استحدثه من (نظام الطيبات) الذي يدعو إلى التخلي عن الأدوية الطبية، مما يعرض المتابع الساذج للنهب الثقافي والديني والسياسي وحتى الطبي. ويزداد الأمر سوءًا مع سعي صناع المحتوى للربح عبر تقديم ما يثير الجدل لزيادة المشاهدات بغض النظر عن دقة المحتوى، فيحاولون اقتحام مجالات الفكر والثقافة والدون مؤهلات. وجودهم يبرز وجود أرضية تقنية تساعد على انتشار الأفكار الشعبوية نتيجة غياب الثقافة النقدية، وهو ما يعود إلى عزوف القطاعات الشعبية والجامعات عن العلوم الإنسانية، خاصة الفلسفة والسياسة والاجتماع، نظراً لتأثيرها الكبير على تشكيل الرأي والذوق العام.
سبل إعادة التوازن بين التخصص والتفكير النقدي
يمكن الإطالة في نظريات التعليم، لكن الإشكالية تبقى في وجود قطاع كبير من الموظفين ألفوا السيرة القديمة، إذ إن معرفة الفضيلة وحدها لا تكفي لسلك طريقها، وكذلك الأمر مع النظريات. قد يُعتقد أن المجتمعات الحديثة غارقة في التخصصات، وأن المتخصص إذا سُئل عن قضية خارج مجاله قد يرى أنها لا تعنيه، بينما يبقى عدد المفكرين أقل. ويحذر المقال من خطورة الوصول إلى مرحلة إعدام المثقفين المفكرين تمامًا كما سماه رونان ماكدونالد في كتابه (موت الناقد).
لذا يجب ضمان وجود هذه الفئة عبر توفير منصات لها، كما تلقى كثيرون أيام ما سمي «الصحوة» منصات رغم عدم مساهمتهم في الصناعة أو التقنية؛ حتى لو بلغ جهد مع المفكرين عشر ما قدم allora يمكن تحقيق فارق، مما يعسر تمرير الأجندات أو إحياء الأفكار المتطرفة أو العثور على طبيب مفصول من عمله يجد جمهورًا يصغي لحديث عن نظرية جديدة تشفي من كل الأمراض، mengen بين تأويل القرآن وبعض الأوراق العلمية، غارق في نظريات المؤامرة والشعارات الشعبوية، ما يؤدي إلى أضرار جسيمة أو حتى الوفاة، كما حدث مع بعض مرضى السكري الذين اتبعوا البرنامج المسمى بنظام (الطيبات).
هذا لا يعني التقليل من أهمية التخصصات؛ فلا يمكن لأي نظام تعليمي أن يعلم كل شيء للطالب، بل يكفي إعطاؤه المفاتيح العامة لمعرفة أي باب يطرقه عندما يطلب المعرفة، وإعداد مفكرين قادرين على العبور بين التخصصات وتقديم رؤى جامعة تؤثر في الآخرين. لا يتوجب أن يصبح الجميع مفكرين أو متخصصين، لكن الضرورة تكمن في ألا يتحول الجميع إلى جهلة في الشأن العام: الهوية، السياسة، والمجتمع.