السؤال الذي يطرح نفسه ليس ما رآه من أطلقوا عبارة “ما شفنا شي”، بل ما يرغبون في رؤيته ليقنّعوا أنفسهم بأن شيئًا ما قد حدث فعلاً.
رؤية التحول الشامل
في المملكة اليوم، يصعب على المراقب العادل تجاهل حجم التغييرات التي تشهدها القطاعات كافة. منذ أن رسمت القيادة، ممثلة بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، طريقًا واضحًا نحو دولة أكثر قدرة وتنافسية وجودة في الحياة، انطلقت مشاريع وبرامج واسعة تجاوزت مرحلة الورق لتصبح واقعًا ملموسًا للمواطن والزائر والعالم.
تشمل هذه التحولات طرقًا وشبكات نقل متطورة، مدنًا ومشاريع عمرانية حديثة، مستشفيات ومراكز صحية، جامعات ومؤسسات تعليمية، وجهات سياحية وترفيهية، بنية رقمية متقدمة، ومشاريع اقتصادية كبرى تعيد تشكيل علاقة المملكة بالاقتصاد العالمي.
بين النقد الواقعي وإنكار الإنجازات
ما تحقق ليس نهاية المسار؛ فهناك مشاريع قائمة، وأخرى تحت التنفيذ، وأخرى لا تزال في مرحلة التخطيط والدراسة، في مشهد تنموي واسع يتداخل فيه الاقتصاد والصحة والتعليم والثقافة والسياحة والرياضة والأمن والدفاع والتقنية.
في المقابل، تصر بعض الأصوات على اختزال هذا المشهد كله في عبارة واحدة: “ما شفنا شي”. المشكلة ليست في الانتقاد نفسه، فالانتقاد حق وقاعدة أساسية لأي مجتمع يسعى للتطور، ولا في مطالبة الفرد بتحسين دخله أو رفع جودة الخدمات أو زيادة الفرص؛ فهذه مطالب مشروعة وطبيعية.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول النقد إلى إنكار للواقع، وعندما يصبح السعي لمكسب شخصي مباشر المعيار الوحيد للحكم على ما يجري حولنا.
دور المواطن في بناء المستقبل
هل تُقاس التنمية فقط بما يدخل إلى الحساب البنكي في نهاية الشهر؟ وهل تُقاس قيمة الدولة ومشاريعها بما يحصل عليه الفرد نقدًا مباشرةً أم بما توفره من أمن واستقرار وخدمات وفرص وبنية تحتية ومستقبل للأبناء؟
كما أن وسائل التواصل الاجتماعي خلقت بيئة مثالية لانتساب الرسائل المختصرة المشحونة بالعاطفة، وقد تتسلل من خلالها حسابات مجهولة أو حملات منظمة أو أصوات خارجية تحاول تشكيل انطباع عام لا يعكس بالضرورة الحقيقة الكاملة.
هنا تقع مسؤولية المواطن قبل غيره: ليس المطلوب أن يصفق لكل شيء، ولا أن يتخلى عن حقه في السؤال والنقد والمطالبة، بل المطلوب أن يمتلك بصرًا يرى الواقع وبصيرة تقرأ ما وراءه.
الوعي الوطني لا يعني التغاضي عن السلبيات، كما أن النقد لا يعني إنكار الإيجابيات. من السهل القول: “لم يتغير شيء” عندما ينظر المرء من زاوية ضيقة لا يرى إلا ما ينقصه شخصيًا. لكن من الصعب النظر إلى الصورة الكاملة: إلى مدينة تتغير، وطريق يتطور، وخدمة تتحسن، ومستشفى جديد، وجامعة تتوسع، ومشروع اقتصادي يولد، وفرصة عمل تُخلق، ومنظومة رقمية تختصر وقتًا وجهدًا، ومشاريع استراتيجية تُجرى لمصلحة أجيال قادمة.
الدول لا تُبنى فقط بما يحصل عليه الفرد اليوم، وإنما بما يُبنى للأجيال غدًا. ومن هنا فإن العبارة المستوردة “ما شفنا شي” تستحق أن تُستبدل بسؤال أكثر نضجًا: ما الذي تحقق؟ وما الذي بقي؟ وكيف يمكننا المشاركة في تحسين ما لم يكتمل؟
ذلك هو الفرق بين مواطن يريد الإصلاح وآخر يريد فقط أن يرى انعكاس التنمية في مصلحته الشخصية.
المملكة العربية السعودية تعيش مرحلة تاريخية من التحول، وفي المراحل الكبرى لا تكون الصورة مكتملة في يوم واحد، ولا تتحقق الطموحات كلها دفعة واحدة؛ هناك إنجازات، وتحديات، ومشاريع لم تكتمل، وملفات تحتاج إلى مزيد من العمل والمراجعة.
وهذا تحديدًا هو ما يجعل النقد المسؤول مهمًا، بينما تحويل كل ما تحقق إلى “لا شيء” وتحويل كل مشروع إلى مناسبة للتشكيك، واختزال علاقة المواطن بوطنه في مقدار ما يحصل عليه من زيادة مباشرة في دخله، ليس نقدًا بقدر ما هو اختزال مخلّ لصورة أكبر بكثير.
تغيرت أشياء كثيرة، ومن لا يراها فربما لا يحتاج إلى مشروع جديد بقدر ما يحتاج إلى أن يوسّع زاوية نظره.