انتقل إلى المحتوى الرئيسي
عربي و عالمي

السردية بين أداة تحليل ومفهوم متساهل: هل صارت ملاذاً لغوياً؟

السردية بين أداة تحليل ومفهوم متساهل: هل صارت ملاذاً لغوياً؟

في الفترات الأخيرة برزت كلمة «السردية» بشكل واضح، لتتجاوز حدودها الأكاديمية والقانونية وتدخل حيز الإعلام ومنصات التواصل والتحليلات السياسية. سرعان ما أصبحت جزءاً من معظم النقاشات، سواء في مجال السياسة والحروب أو في الرياضة والاقتصاد والثقافة وحتى في الخلافات اليومية.

هل ما زالت الكلمة تؤدي وظيفتها المعرفية؟

يثير هذا الظهور الواسع سؤالاً مشروعاً: هل لا تزال كلمة «السردية» تحتفظ بدورها التفسيري، أم أن كثرة استعمالها قد أفرغتها من معناها، وجعلتها ردًا جاهزًا لكل موضوع؟

من أصل أكاديمي إلى انتشار شعبي

المفهوم نفسه ليس غريباً على دراسات الإعلام وتحليل الخطاب والعلوم السياسية؛ فهو يرمز إلى الإطار التفسيري الذي يُعرض من خلاله الحدث أو القضية. إن تحويل هذا المصطلح من أداة دقيقة إلى “مفتاح سحري” لتفسير كل شيء يحمل مخاطر معرفية لا تقل عن إهمال الفهم الأصلي للمفهوم.

من الجدير بالذكر أن كلمة «السردية» ليست مستحدثة من وسائل التواصل الحديثة، بل جذورها تعود إلى مفهوم «السرد» العربي القديم المتصل بالحكي وترتيب الوقائع. ومع ذلك، ظهر استخدامها بصيغتها المعاصرة بصورة أوسع في الدراسات الأدبية والنقدية الغربية خلال القرن العشرين، خصوصًا مع تطور نظريات السرد وتحليل الخطاب، ثم انتقلت إلى مجالات القانون والإعلام والسياسة والعلاقات الدولية.

تمدد دلالي يثير الجدل

عندما انتقل المصطلح من بيئته المتخصصة إلى النقاش العام، تعرض للتمدد الدلالي، وأصبح يستخدم أحيانًا خارج نطاقه العلمي. وهذا يفسر جزءًا من الجدل الدائر حوله اليوم. نرى الآن عبارات كثيرة مثل: السردية الغربية، السردية المضادة، السردية الإعلامية، السردية الرقمية، السردية الوطنية، السردية الشعبية، سردية الضحية، وسردية البطل، بل وصل الأمر إلى اختزال أي رأي مخالف في كلمة واحدة: “هذه مجرد سردية”.

تكمن المشكلة حينما يتمدد المصطلح بلا ضوابط، فيفقد حدوده العلمية ويتحول من أداة تفسير إلى تعبير إنشائي فضفاض.

آثار قانونية وفكرية لتضخم المصطلحات

من الناحية القانونية والفكرية، لا يمكن إغفال أن القانون يعتمد على التحديد والانضباط والدقة. فالنصوص النظامية والقضائية تتجنب العبارات القابلة للتأويل غير المنضبط، لأن الاتساع المفرط للمفهوم قد يفتح المجال لسوء الفهم وتباين التطبيق. إذا طُبق هذا المبدأ على الاستخدام الإعلامي لكلمة «السردية»، يتضح أن المشكلة تظهر عندما تُستبدل الكلمة بالتحليل نفسه.

بدلاً من الخوض في تفاصيل الوقائع والأدلة والمصالح والظروف التاريخية، يُكتفى أحيانًا بوصف الأمر بأنه “صراع سرديات”، كأن المصطلح وحده يكفي لتفسير التعقيد الإنساني والسياسي.

الإفراط في استعمال المصطلح قد يؤدي إلى تسطيح النقاش العام؛ فالقضايا الكبرى لا تختزل دائمًا في روايات متنافسة. بعض الوقائع تُحكمها الأدلة، وبعض النزاعات تُحسمها القوانين، وبعض الجرائم تُثبتها القرائن والإثباتات، وليس مجرد السرد.

في المحاكم لا يُبحث عن “السردية الأكثر تأثيرًا” بل عن الحقيقة القانونية المستندة إلى الأدلة. وفي النزاعات الإدارية لا يُنظر إلى “السردية الأقوى إعلاميًا” بل إلى المشروعية والاختصاص والسببية والإجراءات.

الإجهاد الدلالي وتأثيره اللغوي

من الناحية اللغوية، يؤدي تكرار أي لفظة إلى ما يسمونه بعض المختصين “الإجهاد الدلالي”؛ حيث تفقد الكلمة جزءًا من قوتها نتيجة الاستعمال المفرط. وهذا ما حدث تاريخيًا مع العديد من المصطلحات التي بدأت قوية ثم تحولت إلى تعبيرات مستهلكة تُردد دون تدقيق.

أحيانًا يصل الإفراط إلى حد السخرية، حيث يمكن أن يتحول أي نقاش إلى “سردية” حتى في مواقف غير جادة؛ فمثلاً، أثناء إفطار طائفٍ بين بساتين الرمان والعنب، قد يتحدث البعض عن “سردية الفول” مقابل “سردية الحمص”، ويمنحون كل طبق رواية خاصة تتجاوز قيمته الغذائية إلى فضاءات الهوية والذاكرة.

ما هو الطريق الصحيح لاستخدام المصطلح؟

المسألة لا تكمن في وجود المصطلح ذاته، بل في توسيعه المفرط إلى حد يصبح فيه ملاذًا لغويًا يُستبدل به التحليل العميق. يكفي لبعض المتحدثين أن يصفوا فكرة ما بأنها “سردية” ليشعروا بأنهم قدموا تفسيرًا عميقًا، بينما في الواقع قد يكونوا استبدلوا التحليل بالمصطلح.

تظهر مفارقة عندما ينتقد مقال ما التبسيط، لكنه نفسه يقع في التبسيط عندما يطرح كل شيء كمعركة سرديات، متغافلًا عن أن العلاقات الدولية تحكمها مصالح واقتصاد وقانون دولي وقدرات عسكرية واتفاقيات وتحالفات وموازين قوة.

الحروب الحديثة تحمل بعدًا إعلاميًا ونفسيًا، لكن اختزالها في “صناعة السردية” فقط قد يضخم حجم الخطاب الإعلامي دون أن يعكس الواقع الفعلي. التاريخ يثبت أن الوقائع الميدانية كثيرًا ما تهزم الروايات، وأن النتائج العملية كانت أقوى من أدوات التأثير الرمزي.

الدفاع عن المصطلحات الجديدة مشروع، لكن الدفاع الأهم هو عن الدقة. فالمشكلة ليست في انتشار كلمة “السردية”، بل في أن الانتشار قد يحمل في طياته إضعافًا إذا لم تُحافظ على حدودها الدقيقة.

المجتمعات الفكرية لا تحتاج إلى سخرية كل جديد، ولا إلى احتفاء غير مشروط بكل مصطلح يظهر. المسار الأكثر توازنًا هو النقد المنهجي: نرحب بالمفهوم إذا أضاف معنى، ونقابله إذا تحول إلى قشرة لغوية بلا مضمون.

في النهاية، تظل كلمة “السردية” ذات قيمة معرفية عندما تُستعمل في موضعها العلمي والإعلامي الصحيح، لكنها تفقد جزءًا من هذه القيمة كلما تحولت إلى رد جاهز على كل موضوع أو إلى مفتاح شامل يفسر كل حدث. اللغة لا تموت بالسخرية، لكنها قد تضعف بالإفراط، والمصطلحات لا تخسر قيمتها بالاختلاف حولها، بل عندما تتحول من أدوات للفهم إلى شعارات للاستهلاك.

السؤال الآن ليس ما إذا كنا نفهم السردية أم نسخر منها، بل ما إذا كنا ما زلنا نستخدم المصطلح لفهم الواقع أم أصبحنا نستبدله بفهم سطحي يتكرر بلا جدوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني