في اليوم الذي كان مفترضاً أن يُبتّ فيه في تعيينها قاضية داخل ولاية ميسيسيبي، لم تصطحب أسماء علي عباءتها القضائية معها، إذ كانت مقتنعة بأن الخيار لن يقع عليها. لكن التصويت بالإجماع من قبل المجلس البلدي قلب ظنها رأساً على عقب، وصنع منها لحظة تاريخية بعد أن صارت أول قاضية أميركية من أصول يمنية في البلاد.
وفي إفادة خاصة لموقع “سكاي نيوز عربية”، استعادت أسماء علي تفاصيل انتقالها من مهنة المحاماة المتخصصة في قضايا الهجرة إلى منصة القضاء، وما حمله هذا التعيين من معانٍ شخصية لأسرة يمنية قدمت إلى أميركا قبل أكثر من خمسة عقود.
وتعود جذور أسماء إلى مديرية الشعر التابعة لمحافظة إب اليمنية، في حين هاجر أبواها إلى الولايات المتحدة في سبعينيات القرن الماضي آمِلين في مستقبل أفضل لأبنائهم.
عباءة بقيت في المنزل
صدر قرار تعيين أسماء علي عن رئيسة البلدية، وأقرّه أعضاء المجلس البلدي بعد تزكيات تلقتها من أوساط قانونية، كان من بينها محامي المدينة. وعلى الرغم من استمرار إجراءات الاختيار لبعض الوقت، تقول أسماء إنها لم تحسب أن المسار سيؤدي إلى تعيينها، وتضيف: “لم أكن أعتقد حقاً أنني سأُختار، حتى إنني تركت عباءة القضاء في المنزل، بعدما أقنعت نفسي بأن الأمر لن يحدث”.
وتتابع: “عندما وافق المجلس بالإجماع على تعييني واستعدت رئيسة البلدية لأداء القسم لي، سألتني عن عباءتي، فاضطررت إلى الاعتراف بأنني تركتها في المنزل”.
وتقول إن الموقف تحول إلى درس شخصي اعتبرته من أهم ما تعلمته في حياتها: “لا تسمح لشكوكك في نفسك بأن ترسم حدودك. استمر في الاستعداد والعمل والإيمان بنفسك، ففي بعض الأحيان يكون الباب الذي تعتقد أنه لن يُفتح أبداً هو الباب الذي يغير حياتك”.
ولا ترى أسماء المنصب مجرد لقب أو إنجاز فردي، بل تراه فرصة “لخدمة المجتمع بنزاهة، وضمان العدالة لكل من يمثل أمام المحكمة، وكسر حواجز قد يعتقد البعض أنها عصية على التغيير”.
مسيرة مهنية حافلة
قبل وصولها إلى القضاء، عملت أسماء نحو عقد في مهنة المحاماة، ركزت خلالها على قانون الهجرة، وأسست مكتبها الخاص، وترافعت في قضايا معقدة أمام محاكم في مناطق متفرقة من الولايات المتحدة.
وتؤكد أن عملها على المستوى الوطني فرض عليها التأقلم مع أنظمة قضائية وبيئات قانونية وآراء متباينة، وهو ما صقل قدراتها في المرافعة ووسّع فهمها للقانون.
وخلال مسيرتها المهنية، نالت تكريمات على مستوى الولاية والولايات المتحدة، من بينها جوائز للمحامية المتميزة والمحامي الشاب المتميز والقيادة القانونية. وتشير إلى أن القيمة الحقيقية لهذه الجوائز ليست في التكريم ذاته، بل في أنها تعكس ثقة الزملاء بنزاهتها واحترافيتها والتزامها بالعدالة.
فخر بالجذور اليمنية
تربط أسماء نجاحها بالرحلة التي بدأها والداها قبل عقود، مؤكدة اعتزازها بأصولها اليمنية ومواطنتها الأميركية التي ولدت بها. وتقول: “كان والداي مصدر الإلهام الأكبر لي. عملا بلا كلل لمنحنا فرصاً لم يحظيا بها هما نفسيهما”.
وتكشف أن استكمال تعليمها لم يكن أمراً مسلماً به في مرحلة من حياتها، لكنها استطاعت الالتحاق بالجامعة ثم كلية الحقوق بدعم من والديها وثقتهما في قدرتها على النجاح.
وترى أن قصتها تحمل رسالة إلى من يعتقدون أن اختلاف خلفيتهم قد يتحول إلى عائق أمام طموحاتهم: “مهما شعرت بأنك مختلف، تظل أهدافك ممكنة التحقيق”.
وتضيف: “أريد مواصلة كسر الحواجز، ليس بحثاً عن الشهرة أو التقدير، وإنما لخدمة الآخرين وإثبات أن النزاهة والتواضع واللطف يمكن أن تفتح الأبواب”.
بين المحاماة والقضاء
ستواصل أسماء ممارسة المحاماة في قضايا الهجرة إلى جانب مهامها القضائية، إذ يسمح قانون ولاية ميسيسيبي لبعض قضاة المحاكم البلدية ممن يعملون بدوام جزئي بالجمع بين المهنتين وفق الضوابط القانونية والمهنية.
وتوضح: “بصفتي محامية، تتمثل مهمتي في الدفاع الحازم والأخلاقي عن موكّلي، أما بصفتي قاضية فمسؤوليتي هي الحياد والعدالة”.
وتشدد على أنها تعتمد فريقين منفصلين في مكتبها والمحكمة، وتتعامل بجدية مع الحدود بين الدورين، مؤكدة أن كليهما يعزز التزامها بالإجراءات القانونية الواجبة وسيادة القانون.
ومن واقع خبرتها في ملفات الهجرة، ترى أسماء أن المهاجرين يعيشون حالة متزايدة من عدم اليقين بسبب التغير المستمر في السياسات والمعايير القانونية. وتضيف: “قانون الهجرة من أكثر مجالات القانون تعقيداً وسرعة في التغير. نتائج القضايا قد تحدد ما إذا كانت أسرة ستبقى مجتمعة، أو ما إذا كان شخص سيتمكن من العثور على الأمان”.
وتلخص المبدأ الذي سيحكم عملها على منصة القضاء: “التزامي هو العدالة والنزاهة والقانون، وضمان التطبيق السليم للدستور الأميركي”.