في مشهد تتصادم فيه الصواريخ مع حسابات القوى الكبرى، فرضت الولايات المتحدة معادلة اشتباك غير مسبوقة عبر فتح جبهة مواجهة مباشرة وعلنية. لم تقتصر واشنطن على توجيه ضربات عنيفة لأكثر من 80 موقعاً حيوياً في العمق الإيراني لحماية الملاحة في مضيق هرمز، بل لجأت أيضاً إلى تفعيل أقصى درجات العقوبات عبر قطع خطوط الإمداد والتراخيص النفطية، في محاولة واضحة لاستنزاف الموارد المالية لطهران.
طهران تتمسك بالسيادة المطلقة على المضيق
قوبل هذا التحرك الأمريكي برد فعل إيراني لم يقتصر على التهديدات، بل تحول إلى أفعال ميدانية باستهداف الكويت والبحرين، ليتحول مياه المنطقة وخلفياتها العسكرية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. وتصر طهران على فرض سيادتها الكاملة على مضيق هرمز، معتبرة إياه خطاً أحمر لا يقبل التقسيم أو التدخل الدولي، فيما يعيش العالم حالة من الترقب الحذر لانتظار الرد القادم.
وفي مفارقة درامية تعكس تعقيدات الجغرافيا السياسية، يتزامن هذا المشهد المشتعل مع حراك دبلوماسي خفي ومعقد. فبينما تدق طبول الحرب في الخليج، تتجه الأنظار إلى العاصمة الإيطالية روما، التي تتحول إلى واحة دبلوماسية دقيقة تجمع السفيرين اللبناني والإسرائيلي في محادثات مباشرة. يمثل هذا المسار التفاوضي سباقاً حقيقياً ضد الزمن، ومحاولة لترميم جبهة أخرى قابلة للانفجار في أي لحظة، في مشهد إقليمي سريالي يتأرجح بين خيارين لا ثالث لهما: إما التوصل إلى تسويات دبلوماسية كبرى، أو الانزلاق نحو حافة الهاوية.
ترمب: الاتفاق انتهى
قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، الأربعاء، إن الاتفاق المؤقت لإنهاء الحرب مع إيران قد «انتهى»، وذلك بعد أن شنت طهران هجمات جديدة على قواعد أمريكية في منطقة الخليج. وفي تصعيد للأعمال القتالية أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط، أعلنت إيران أنها استهدفت مواقع عسكرية أمريكية في البحرين والكويت، رداً على ضربات القوات الأمريكية لأهداف إيرانية بعد هجمات استهدفت ناقلات نفط وغاز في مضيق هرمز.
أدت هذه الهجمات إلى تقويض اتفاق وقف إطلاق النار الهش، وأثرت سلباً على الآمال في تحويل مذكرة التفاهم الموقعة في 17 يونيو إلى اتفاق دائم لإنهاء الحرب التي بدأت بضربات جوية أمريكية إسرائيلية على إيران في 28 فبراير.
ارتفاع أسعار النفط وتراجع الأسهم
وعند سؤاله قبيل قمة لحلف شمال الأطلسي في تركيا حول ما إذا كانت مذكرة التفاهم قد انتهت، قال ترمب: «إنه سؤال مثير للاهتمام للغاية. بالنسبة لي، أعتقد أنها انتهت. لا أريد التعامل معهم». ورغم أن ترمب تراجع أحياناً عن تهديداته السابقة لإيران، إلا أن أسعار النفط ارتفعت والأسهم تراجعت عقب تصريحاته الأخيرة.
كما أدى تجدد الأعمال القتالية إلى تفاقم المخاوف المتعلقة بالسلامة والأمن في مضيق هرمز، حيث أظهرت بيانات الشحن أن أربع ناقلات نفط وغاز على الأقل عادت أدراجها بدلاً من محاولة عبور الممر المائي الحيوي للإمدادات. وقفزت أسعار النفط وتراجعت أسواق السندات العالمية، وزادت العقود الآجلة لخام برنت بأكثر من 6% إلى 78.73 دولاراً للبرميل، مسجلة أكبر نسبة ارتفاع في يوم واحد منذ أواخر مايو. ورغم أن الأسعار لا تزال أقل بكثير من المستويات القياسية التي تجاوزت 120 دولاراً للبرميل والتي سجلت في ذروة القتال، إلا أنها كافية لإثارة مخاوف جديدة بشأن التضخم في سوق السندات، خاصة وأن أشهراً من الصراع أدت إلى انخفاض مخزونات النفط العالمية.
اتهامات متبادلة وتهديدات بالرد
قال الحرس الثوري الإيراني إنه استهدف مواقع عسكرية أمريكية في البحرين والكويت اليوم الأربعاء، وأسقط طائرة أمريكية مسيرة من طراز إم.كيو.9 كانت تحاول التدخل في العملية. وكانت الولايات المتحدة قد شنت في وقت سابق ضربات عسكرية جديدة وألغت إعفاءً كان يسمح لإيران ببيع النفط، رداً على الهجمات التي استهدفت ثلاث ناقلات نفط في المضيق.
وذكرت القيادة المركزية الأمريكية أن من بين الأهداف التي أصابتها الضربات أكثر من 60 زورقاً صغيراً تابعاً للحرس الثوري، في محاولة لتكبيد إيران ثمناً باهظاً رداً على هجماتها على الناقلات التي تنتهك وقف إطلاق النار. وقالت القيادة المركزية في بيان: «العدوان غير المبرر من جانب القوات الإيرانية يمثل انتهاكاً صارخاً وخطيراً لوقف إطلاق النار ويقوض حرية الملاحة». وفي تصريحات للصحفيين قبل قمة حلف شمال الأطلسي، قال الأمين العام للحلف مارك روته إن الهجمات الجديدة التي شنتها الولايات المتحدة على إيران «ضرورية للغاية». كما قالت كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، عبر منصة إكس: «تبادل إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران يزيد من تعقيد المحادثات المتوترة أصلاً الرامية لإنهاء الحرب.. الهجمات الإيرانية على البحرين والكويت غير مقبولة».
ونددت القيادة الموحدة للقوات المسلحة الإيرانية «مقر خاتم الأنبياء» بالضربات الأمريكية ووصفتها بأنها «عمل عدواني سافر»، وهددت «برد ساحق» وحذرت من أن طهران لن تسمح بتدخل أمريكي في إدارة المضيق. واتهم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، الذي يضطلع بدور كبير في عملية التفاوض، الولايات المتحدة بخرق اتفاق وقف إطلاق النار. ولم يكتفِ بالإشارة إلى الضربات العسكرية الأمريكية الأحدث، بل أشار أيضاً إلى تجديد العقوبات المتعلقة بالنفط وانتهاكات «الترتيبات» الإيرانية في مضيق هرمز والهجمات الإسرائيلية على لبنان. وقال قاليباف في منشور على إكس: «انتهى زمن البلطجة والابتزاز. نحن لسنا ممن يقدمون تنازلات أمام الضغوط».
وأفادت وسائل إعلام إيرانية في وقت سابق بوقوع انفجارات في جزيرة خرج المركز الرئيسي للنفط وفي جزيرة قشم وفي مدينتي سيريك وبندر عباس الساحليتين الجنوبيتين. وأفادت قناة برس تي.في الإيرانية بسماع عدة انفجارات في جنوب جزيرة خرج. ولم تشر القيادة المركزية الأمريكية إلى الجزيرة التي تصدر منها إيران 90% من نفطها الخام. وقال مسؤول أمريكي إن الضربات استهدفت أنظمة دفاع جوي إيرانية وأنظمة للمراقبة الساحلية وصواريخ سطح-جو وصواريخ كروز مضادة للسفن ومواقع لإطلاق الطائرات المسيرة. ولم ترد أنباء عن سقوط قتلى بين المدنيين في إيران.
النفوذ الإيراني في هرمز وتداعيات العقوبات
منح التحكم في الملاحة عبر المضيق طهران نفوذاً هائلاً وساعدها فعلياً على إدخال أقوى جيش في العالم في مأزق. ويقول المحللون إن طهران تستخدم الهجمات على السفن لتأكيد ذلك النفوذ أثناء تفاوضها على اتفاق طويل الأمد مع الولايات المتحدة. وبموجب الاتفاق المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية في 22 يونيو ترخيصاً عاماً للسماح ببيع النفط الخام والمنتجات البتروكيماوية والبترولية إيرانية المنشأ حتى 21 أغسطس. وعند إلغاء هذا الترخيص أمس الثلاثاء، منحت إيران مهلة حتى 17 يوليو لإنهاء أي معاملات. ونددت وزارة الخارجية الإيرانية بهذه الخطوة ووصفتها بأنها خرق للاتفاق الإطاري لإنهاء الحرب، وقالت إن واشنطن ستتحمل العواقب. وأكدت الوزارة أن إيران ستتخذ أي إجراء تراه ضرورياً لحماية مصالحها وأمنها القومي.