في ليلة الحادي والعشرين من أغسطس عام 2013، تحولت منطقة الغوطة الشرقية في ريف دمشق إلى مسرح لجريمة مروعة، حين شن نظام الأسد هجوماً بالأسلحة الكيميائية أودى بحياة مئات المدنيين. وبعد مرور ثلاثة عشر عاماً، لا يزال الطبيب السوري أحمد بقاعي، الذي شاهد الهجوم عن كثب، يحمل تفاصيل تلك الليلة في ذاكرته، متحدثاً عن مستشفيات كانت إمكاناتها محدودة للغاية وفرق طبية كافحت لإنقاذ أكبر عدد ممكن من الضحايا في ظل نقص حاد في الكوادر والمستلزمات والملابس الواقية.
ويقول بقاعي في حديثه لوكالة الأناضول إن سكان الغوطة كانوا يخشون قبل وقوع المجزرة احتمال استخدام أسلحة كيميائية، بعد أن شهدت مناطق سورية أخرى هجمات مماثلة. ولهذا، تلقى العاملون في القطاع الصحي تدريبات أولية على التعامل مع مثل هذه الحوادث، لكن حجم الهجوم فاق كل الاستعدادات، على حد تعبيره.
ذكرى المجزرة وشهادات الناجين
وارتكب نظام الأسد مجزرة كيميائية كبرى في الغوطة الشرقية ومعضمية الشام في الحادي والعشرين من أغسطس 2013، أسفرت عن مقتل أكثر من ألف وأربعمئة مدني، بينهم مئات الأطفال والنساء، وإصابة أكثر من عشرة آلاف آخرين. وبعد الهجوم، عانى المدنيون الذين بقوا على قيد الحياة لسنوات طويلة تحت الحصار وفي ظروف صعبة، قبل أن يلجؤوا عام 2018 إلى مخيمات للنازحين في محافظة إدلب شمالي البلاد. وبعد سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر عام 2024، بدأ هؤلاء النازحون في العودة إلى الغوطة الشرقية التي هُجّروا منها قسراً.
ويضيف بقاعي أن المدنيين والعاملين الصحيين بذلوا جهوداً مشتركة، رغم محدودية الإمكانات والخبرة والكوادر، لإنقاذ أكبر عدد ممكن من الأشخاص. ويؤكد أنه رغم مرور ثلاثة عشر عاماً على المجزرة، فإنه لا يزال غير قادر على نسيان الأطفال الذين فقدوا حياتهم وعائلاتهم، مشدداً على ضرورة مثول جميع المسؤولين، وفي مقدمتهم بشار الأسد، أمام القضاء من أجل تحقيق السلام المجتمعي.
مخاوف مسبقة واستعدادات غير كافية
وعن الظروف التي سبقت المجزرة، يقول بقاعي: “كانت لدينا مخاوف بشأن الهجمات الكيميائية في سوريا”. ويردف: “وكانت مناطق مثل جوبر والعتيبة ودوما وخان العسل قد شهدت في وقت سابق هجمات كيميائية، ولذلك خضعنا لنوع من التدريب والاستعداد بشأن كيفية التدخل”. ويوضح بقاعي أن الاستعدادات التي أُجريت لم تكن كافية لمواجهة كارثة بهذا الحجم، مؤكداً أن “النظام المستبد لم يتردد في استخدام جميع أنواع الأسلحة ضد الشعب”.
ويشدد قائلاً: “لا يمكن تحقيق السلام المجتمعي دون مساءلة، ولا يمكن تحقيق سلام حقيقي دون عدالة، ومن أجل الوصول إلى السلام المجتمعي، يجب أن يمثل جميع المجرمين، وفي مقدمتهم بشار الأسد، أمام القضاء”. ويؤكد بقاعي مجدداً أنه لم يتمكن من نسيان تلك الليلة رغم مرور السنوات، موضحاً أنه رأى بعد الهجوم أطفالاً وعائلات ممددين بلا حراك، جنباً إلى جنب. ويقول: “في هذه المجزرة، قُتلت معظم العائلات معاً ودُفنت معاً. كانت ليلة الحادي والعشرين من أغسطس هي ليلتهم الأخيرة”.
إمكانات محدودة واستهداف ممنهج
وعن أوضاع المراكز الصحية أثناء الهجوم، يقول بقاعي: “في ذلك اليوم، كانت إمكانات مستشفياتنا محدودة للغاية”. ويتابع: “حتى الدول المتقدمة طبياً لم تكن لتتمكن من فعل أكثر مما فعلناه في تلك الليلة، فلم تكن لدينا الإمكانات الكافية، ولا الخبرة، ولا الملابس الواقية، ولا العدد الكافي من العاملين في القطاع الصحي”. وعن استهداف المستشفيات وتدميرها، يشير إلى أن الأمر لم يكن حالة منفردة، معرباً عن اعتقاده بأن تدمير المستشفى كان يهدف إلى محو الآثار التي خلفها ضحايا الهجوم الكيميائي، وأن ذلك كان “جزءاً من سياسة واسعة وممنهجة”.
ويلفت الطبيب السوري إلى أن السياسة الرئيسية للنظام المخلوع كانت تدمير المنشآت التي بناها الناس بإمكاناتهم الذاتية خلال الثورة. ويختم بالقول: “جرت محاولة لتكوين تصور مفاده أن الثورة السورية كانت مدمرة، وأن الناس كانوا يهدمون بدلاً من بناء البلاد. كما أن حالة الخراب التي يوجد عليها المستشفى اليوم تمثل جزءاً من عملية التضليل هذه”.
مسار التحقيقات الدولية
وعقب مجزرة الغوطة الشرقية، انضم النظام السوري إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في الثالث عشر من سبتمبر عام 2013، وفي الشهر نفسه، تبنى مجلس الأمن الدولي القرار 2118 المتعلق بأسلحة سوريا الكيميائية. وشكلت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والأمم المتحدة بعثة تفتيش مشتركة بشأن الأسلحة الكيميائية في سوريا. وأعلنت المنظمة انتهاء مهمة البعثة في سوريا في التاسع عشر من أغسطس عام 2014، بعد تدمير مخزون النظام المعلن من الأسلحة الكيميائية.
لكن اتضح لاحقاً أن التدمير اقتصر على المواقع التي أبلغ نظام الأسد بوجودها؛ إذ ارتكبت قواته لاحقاً عدداً كبيراً من الهجمات بغازي الكلور والسارين في مدن عدة، أبرزها حلب شمالي سوريا. وفي الحادي والعشرين من أبريل عام 2021، قررت الدول الأطراف في المنظمة تعليق بعض حقوق عضوية سوريا فيها. وجاء القرار بعدما أثبتت المنظمة استخدام الأسلحة الكيميائية في هجمات ببلدة اللطامنة بمحافظة حماة (وسط) في مارس عام 2017، ومدينة سراقب بمحافظة إدلب (شمال غرب) في فبراير عام 2018.
وفي نوفمبر عام 2025، أعادت سوريا تفعيل بعثتها الدائمة لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في مدينة لاهاي الهولندية، وعينت وزارة خارجيتها محمد كتوب ممثلاً دائماً لها. وتمكن الثوار السوريون بقيادة أحمد الشرع، في الثامن من ديسمبر عام 2024، من الإطاحة بنظام الرئيس بشار الأسد (حكم البلاد من 2000 إلى 2024).