في مدينة قهرمان مرعش جنوبي تركيا، التي اقترن اسمها بالشعر والأدب، تواصل ثانوية الأناضول قهرمان مرعش حمل إرث ثقافي وتعليمي يمتد إلى أواخر العهد العثماني، بعد أن أسهمت لأكثر من قرن في تنشئة أجيال من الأدباء والمفكرين الذين تركوا بصماتهم في الحياة الثقافية التركية.
تقع المدرسة في منطقة دول قادر أوغلو، وأضحت جزءًا من الذاكرة الأدبية للمدينة التي انضمت إلى شبكة اليونسكو للمدن المبدعة في مجال الأدب عام 2025.
رغم دمار المبنى التاريخي.. التعليم مستمر
على الرغم من الدمار الذي لحق بمبناها التاريخي جراء زلزالي 6 فبراير/شباط 2023، لم تتوقف المدرسة عن أداء رسالتها التعليمية. فهي تواصل استقبال طلابها في المبنى القديم لمدرسة ضياء كوك ألب الابتدائية بالمنطقة نفسها، بالتزامن مع استمرار أعمال بناء مقرها الجديد، في مشهد يعكس تمسك المؤسسة بإرثها واستمرار دورها في إعداد أجيال جديدة.
من إعدادية مرعش إلى ثانوية الأناضول
بدأت المدرسة مسيرتها قبل حرب الاستقلال التركية باسم “إعدادية مرعش”، ثم عُرفت خلال العهد الجمهوري باسمي “مدرسة مرعش السلطانية” و”ثانوية مرعش”، قبل أن تحمل اسمها الحالي “ثانوية الأناضول قهرمان مرعش” منذ عام 2013.
وقال مدير التعليم في ولاية قهرمان مرعش، طوران أق بينار، في حديث للأناضول، إن المدرسة تحتل مكانة مهمة في الحياة الثقافية والأدبية للمدينة، وأسهمت على مدى سنوات طويلة في تخريج شخصيات بارزة في مجالات الأدب والثقافة. وأوضح أن أهميتها لا تقتصر على عراقة تاريخها، بل تشمل أيضًا إسهام خريجيها في تشكيل الذاكرة الثقافية للمدينة، مشيرًا إلى أن تاريخها تجاوز حدود المؤسسة التعليمية ليصبح جزءًا من تاريخ قهرمان مرعش الثقافي.
وأضاف أق بينار أن المدرسة بدأت باسم “إعدادية مرعش”، ثم عُرفت باسم “مدرسة مرعش السلطانية”، ثم “ثانوية مرعش” عام 1948. وفي عام 1965، تغير اسمها إلى “ثانوية قهرمان مرعش”، عقب منح المدينة لقب “قهرمان” الذي يعني البطل، قبل أن تحمل اسم “ثانوية الأناضول قهرمان مرعش” عام 2013. وتجدر الإشارة إلى أن “قهرمان” لقب أُضيف إلى اسم مدينة مرعش بقرار من البرلمان التركي عام 1973، تكريمًا لمقاومة سكانها الاحتلال الفرنسي خلال حرب الاستقلال التركية، التي أسهمت في انسحاب القوات الفرنسية في فبراير/شباط 1920.
إرث أدبي وأسماء لامعة
أشار أق بينار إلى أن قهرمان مرعش تعد من المراكز الأدبية المهمة في تركيا، حيث ازدهرت فيها مجالات الشعر والقصة والفكر، لافتًا إلى أن إدراجها ضمن شبكة اليونسكو للمدن المبدعة في مجال الأدب عام 2025 يعكس الاعتراف الدولي بتقاليدها الأدبية العريقة.
تبرز في تاريخ الأدب الحديث للمدينة مجموعة من الشعراء والكتّاب المعروفين باسم “الرجال السبعة الجميلين”، وهم نوري باكديل، وأردم بايزيد، وجاهد ظريف أوغلو، وراسم أوزدن أورن، وعلاء الدين أوزدن أورن، ومحمد عاكف إينان، وعلي كوتلاي. وقد تقاطعت مسارات هؤلاء الأدباء خلال سنوات شبابهم في قهرمان مرعش، وشكّلت أجواء ثانوية مرعش جانبًا مهمًا من بدايات رحلتهم الأدبية، فيما أسهمت مجلة “حملة” (Hamle)، التي صدرت في المدرسة لسنوات طويلة، في توفير مساحة فكرية وأدبية للشباب المهتمين بالكتابة آنذاك.
ولفت أق بينار إلى أن أثر المدرسة لم يقتصر على الأدب والثقافة، بل امتد إلى مجالات السياسة والعلوم والرياضة والعمل العام والأعمال، وتخرج فيها أشخاص تولوا مسؤوليات مهمة في هذه القطاعات.
آثار الزلزال والتطلع إلى المستقبل
أوضح أق بينار أن مبنى المدرسة تعرض لأضرار كبيرة جراء زلزالي 6 فبراير/شباط 2023، قبل أن يُهدم بسبب حجم الأضرار، ما اضطر الإدارة إلى نقل أنشطتها التعليمية إلى المبنى القديم لمدرسة ضياء كوك ألب الابتدائية. يذكر أن زلزالين بقوة 7.7 و7.6 درجات ضربا جنوبي تركيا وشمالي سوريا في 6 فبراير/شباط 2023، وتبعتهما آلاف الهزات الارتدادية العنيفة، ما خلّف خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات في البلدين. وتركزت كارثة الزلزال في ولاية قهرمان مرعش وامتدت إلى 11 ولاية تركية، وأسفرت عن وفاة أكثر من 50 ألف شخص.
وأضاف أق بينار أن أعمال بناء المبنى الجديد للمدرسة لا تزال مستمرة، معربًا عن أمله في أن يواصل هذا الصرح دوره في إعداد أجيال جديدة من الشعراء والكتّاب والعلماء والفنانين. وتابع: “ستنمو في أروقة المدرسة التي يجري بناؤها اليوم مواهب المستقبل في الشعر والكتابة والعلوم والفنون. وربما تُكتب هنا قصيدة جديدة، أو تبدأ حكاية جديدة، وتحمل أجيال جديدة هذا الإرث العريق إلى آفاق أبعد”.
وأكد أن الإرث الذي حملته المدرسة عبر تاريخها، إلى جانب المكانة الأدبية التي تتمتع بها قهرمان مرعش بصفتها مدينة أدب ضمن شبكة اليونسكو للمدن المبدعة، يشكلان أساسًا لمواصلة دورها الثقافي والتعليمي. وختم أق بينار بالقول إن ثانوية الأناضول قهرمان مرعش، بما تحمله من تاريخ عريق وشخصيات بارزة تخرجت فيها ومكانة راسخة في الذاكرة الثقافية للمدينة، ليست مجرد شاهد على الماضي، بل مصدر إلهام للأجيال المقبلة.