انتقل إلى المحتوى الرئيسي
عربي و عالمي

الأزهر والسلفية في عهد الطيب: جدل التصنيف والخطاب

الأزهر والسلفية في عهد الطيب: جدل التصنيف والخطاب

مواجهة مبكرة وتصنيف في خطاب شيخ الأزهر

تقييم هذه المرحلة لا يكفي فيه الركون إلى تصريحات مبعثرة، بل يستلزم وضعها في سياقاتها، ومقارنة أقوال شيخ الأزهر بأقوال شخصيات المؤسسة، واختبار مدى تطابق الخطاب الرسمي مع الممارسات التي أثارت تحفظ السلفيين. كما يتطلب الأمر الفصل بين الوقائع الثابتة، والاستنتاجات المستخلصة منها، والأحكام النقدية التي تظل رهنا بتوفر أدلة إضافية.

من أوضح الشواهد على طبيعة الخطاب الذي استُقبل به التيار السلفي في بداية عهد أحمد الطيب ما نشرته بوابة الأهرام في 30 ربيع الآخر 1432هـ الموافق 4 أبريل 2011، حيث نقلت عن شيخ الأزهر قوله إن «السلفيين الجدد هم خوارج العصر»، وذلك في سياق انتقاده موقفهم من الأضرحة والمقامات، وتحذيره مما وصفه بمخطط لاختطاف الفكر والمنهج الأزهري.

وأكد الطيب في التصريح ذاته أن عقيدة الأزهر هي عقيدة الأشعري والماتريدي، وأن فقهه قائم على المذاهب الأربعة، وأن تصوفه هو تصوف الإمام الجنيد، معتبراً أن المؤسسة تحافظ على ما وصفه بالتصوف الصحيح.

وبالرغم من حضور الأشعرية الواضح في الأزهر ومناهجه، فإن الوثائق المتاحة لا تُظهر أن شيخاً أزهراً سابقاً تبنى نسبة المؤسسة إلى المذهب الأشعري كما فعل أحمد الطيب.

والقول بأن تصوف الأزهر هو تصوف الإمام الجنيد يحتاج إلى اختبار عملي لا إلى الاكتفاء بالانتساب اللفظي؛ فتصوف الجنيد كما يظهر في كتب الزهد والسلوك المنسوبة إلى مدرسته يقوم على التمسك بالكتاب والسنة، وإجلال التوحيد، ومجاهدة النفس، ورفض الغلو في الأشخاص، وعدم تحويل القبور والمقامات إلى أماكن للدعاء والاستغاثة بغير الله.

وقد ظهر حشد واسع عند مقام البدوي شارك فيه وزير الأوقاف وعلي جمعة، وكلاهما منتسب إلى الأزهر ومنسوب إليه في كثير من توجهاته. فإذا كان شيخ الأزهر يرفض ما صدر عنهما أو الممارسات المصاحبة لذلك الحشد، فلماذا لم يصدر بيان رسمي يوضح الموقف العقدي والشرعي؟ وإذا كان يوافقهما، فكيف يتسق ذلك مع الانتساب إلى تصوف الجنيد الذي يفترض فيه التحرز في شأن القبور والاستغاثة بها؟

وغياب بيان رسمي في وقائع من هذا القبيل يفتح باب التأويل على مصراعيه، ويجعل عبارة «التصوف الصحيح» بحاجة إلى تعريف عملي يحدد ما يقبله الأزهر وما يرفضه، بدلاً من الاكتفاء بإحالة عامة إلى الإمام الجنيد.

وصف السلفيين الجدد بـ«خوارج العصر» لا يعني أن كل سلفي داخل في دائرة الخوارج أو التكفير والعنف. فالتكفيريون ليسوا هم السلفيين، حتى لو شاركوهم في بعض مصادر التلقي أو في رفع شعار الكتاب والسنة؛ لأنهم يسيئون فهم النصوص وتنزيلها ولا يحملونها المحمل الذي يعتمده السلفيون ومشايخهم المعروفون، وفي مقدمتهم كبار علماء المملكة العربية السعودية ومن وافقهم من العلماء والدعاة، مثل مصطفى العدوي ومحمد حسان وياسر برهامي ومحمد إسماعيل المقدم وغيرهم.

ومن ثم يصعب اعتبار الخلط بين السلفية الحقة القائمة على التوحيد والاتباع والحذر من التكفير والخروج، وبين الجماعات التكفيرية التي تستبيح العنف والدماء، مجرد خطأ علمي أو منهجي في زمن صارت المعرفة فيه متاحة على نطاق واسع، ولا سيما لشخص بحجم أحمد الطيب. وكان الأجدر به أن يحدد الجماعة أو الاتجاه الذي يعنيه، وأن يشرح أوجه مشابهته للخوارج، بدلاً من إطلاق وصف يطال عموم السلفيين.

تصريحات أحمد كريمة وإشكالية الخطاب المنتسب إلى المؤسسة

يحظى الدكتور أحمد كريمة، أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر، بموقع بارز في هذه القضية، نظراً لتصريحاته المتكررة التي تنتقد السلفية وتتسع لتشمل رموزها وعقيدتها وعلاقتها بالأزهر.

ومن أبرز ما نُسب إليه ما نشرته صحيفة «اليوم السابع» في 1 يناير 2016، حيث قال إن السلفيين يعتبرون عقيدة الأزهر خروجاً عن الملة، وإنه يجب «تحجيمهم»، وذلك في معرض اتهامه التيار السلفي بالتكفير والمراوغة تجاه المذهب الأشعري.

وهذا كلام ينطوي على تعميم خطير، لأن نسبة القول بخروج عقيدة الأزهر عن الملة إلى السلفيين لا تصح دون توثيق من علماء سلفيين معتبرين يصرحون بذلك. كما أن الخلاف بين السلفيين والأشاعرة في قضايا الصفات والتوحيد لا يستلزم بالضرورة تكفير المخالف أو إخراجه من الدين.

وليس كريمة وحده من أطلق مثل هذه التصريحات؛ فقد صدرت أقوال ناقمة على السلفية عن شخصيات أخرى في المشهد الديني الرسمي أو المؤثر فيه. فوزير الأوقاف السابق محمد مختار جمعة نُسبت إليه تصريحات تضع السلفية في إطار التطرف أو تربطها بخطاب التشدد، رغم أن الوزارة تتحدث غالباً باسم الخطاب الديني الرسمي وتؤثر في صورة التيارات الإسلامية لدى الرأي العام. كما كرر الدكتور علي جمعة انتقاداته للسلفيين بأوصاف عامة، وربطهم أحياناً بالتشدد والجمود، إضافة إلى مواقفه من بعض رموز السلفية ومسائل التوحيد والقبور. ويمكن إضافة ما صدر عن مسؤولين في مؤسسات دينية وإعلاميين محسوبين على الخطاب الأزهري من تصوير السلفية باعتبارها منبعاً للتكفير أو العنف.

وهنا يلزم التفرقة بين نقد أفكار معينة وبين إطلاق أحكام عامة على تيار واسع. فالسلفية الحقة ليست تنظيماً محدداً، ولا يجوز تحميلها وزر كل جماعة رفعت شعار السلف أو السنة ثم خالفت منهج العلماء في فهم النصوص أو تبنّت التكفير والعنف. ومشايخ السلفية المعروفون، ومنهم كبار علماء السعودية ومصطفى العدوي ومحمد حسان ومحمد إسماعيل وغيرهم، أعلنوا أكثر من مرة رفض التكفير بغير حق، ورفض الخروج المسلح، والتحذير من الجماعات التي تستحل الدماء.

وهنا تطرح إشكالية مؤسسية: هل تعامل الأزهر مع هذه التصريحات بوصفها اجتهادات شخصية، أم أنها كانت تعكس اتجاهاً أوسع داخل المؤسسة؟ وهل كانت ردود الأزهر، عندما تصدر، كافية لتوضيح الموقف العلمي من هذه الاتهامات؟

غير أن الإنصاف يقتضي تسجيل واقعة مهمة: جامعة الأزهر لم تترك تصريحات كريمة كلها تمر دون رد؛ فقد أصدرت في سبتمبر 2016 بياناً رفضت فيه استغلال اسم المؤسسة أو الزج بها في آرائه السياسية والفقهية، واعتبرت مواقفه آراء شخصية لا تعبر عن الجامعة. كما تناقلت وسائل إعلام أن الجامعة أحالت كريمة إلى التحقيق في نوفمبر 2016 بسبب تصريحات صحفية. لكن هذا لا يعني انتصاراً للسلفية؛ فكريمة أدلى بتصريحات كثيرة حول الغناء والتمثيل بجميع أشكاله وحجاب المرأة وقراءة القرآن ودخول اليهود والنصارى الجنة وغيرها، وهي أمور يُظن أن الأزهر لا يختلف مع السلفيين في معظمها.

ازدواجية المعيار وغياب الموقف المؤسسي

وفي المقابل، لم يصدر عن الأزهر استنكار للتصريحات الناقمة التي أطلقها وزير الأوقاف أو علي جمعة أو غيرهما من الشخصيات المؤثرة في الخطاب الديني الرسمي. فإذا كان معيار المؤسسة يقوم على رفض استغلال اسم الأزهر في مهاجمة التيارات الإسلامية، فإنها لم تطبق هذا المعيار بإصدار بيانات تدين التصريحات التي عممت الاتهام على السلفيين أو ربطتهم بالتكفير والعنف، كما لم تفرق بين السلفية الحقة والجماعات التكفيرية.

وغياب موقف مؤسسي صريح من تلك التصريحات، إلى جانب السرعة في التبرؤ من بعض تصريحات كريمة، يوحي بازدواجية في تطبيق معيار الانضباط الخطابي؛ فتصريحات الوزير حول وحدة الأديان ومسائل أخرى لا يقرها الأزهر لا تختلف في جوهرها عما قاله كريمة.

وللحديث بقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني