وجّه أبرز الأعضاء الديمقراطيين في لجنتي القضاء والرقابة بمجلس النواب الأميركي طلباً إلى الرئيس دونالد ترامب بالاحتفاظ بجميع سجلات محادثاته التي أجراها مع روبوتات الدردشة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي. يأتي هذا الطلب في إطار تحقيق حول مدى تأثير نظام “غروك” على السياسات والقرارات الرسمية الصادرة عن البيت الأبيض.
ويمثل هذا التحرك مؤشراً مبكراً على حجم التدقيق والرقابة التي قد يواجهها ترامب خلال السنوات المتبقية من ولايته الرئاسية، خاصة إذا تمكن الديمقراطيون من استعادة السيطرة على مجلس النواب في انتخابات التجديد النصفي المقررة الأسبوع المقبل.
رسالة رسمية تطالب بحفظ الأسئلة والإجابات
في رسالة وجهت إلى ترامب وكشف عنها يوم الجمعة، طالب النائبان الديمقراطيان جيمي راسكين عن ولاية ماريلاند وروبرت غارسيا عن ولاية كاليفورنيا الرئيس الأميركي بالاحتفاظ بجميع الأسئلة والتعليمات التي أدخلها إلى روبوتات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي أثناء تأديته لمهامه الرئاسية.
تشمل المطالبة المحادثات مع نظام “غروك” الذي طورته شركة إيلون ماسك، بالإضافة إلى “تشات جي بي تي” التابع لشركة “أوبن أيه آي” و”كلود” الذي طورته شركة “أنثروبيك”.
وطالب النائبان بالاحتفاظ بأي أسئلة أو تعليمات وجهها ترامب إلى هذه الأنظمة أثناء “أداء واجباته الدستورية أو القانونية أو غيرها من المهام الرسمية أو البروتوكولية”، إلى جانب جميع الإجابات التي قدمتها روبوتات الدردشة. كما طلبا من البيت الأبيض تقديم إحاطة بشأن هذه المسألة بحلول الساعة الخامسة مساء يوم 11 نوفمبر، وفقاً لما ذكرته مجلة “تايم”.
ومن المتوقع أن يصبح راسكين رئيساً للجنة القضاء، وغارسيا رئيساً للجنة الرقابة، إذا نجح الديمقراطيون في الفوز بالأغلبية داخل مجلس النواب.
اجتماع سري بين ترامب وماسك
تستند هذه المطالب إلى تقرير نشرته مجلة “تايم” في وقت سابق من شهر أكتوبر، كشف تفاصيل اجتماع لم يعلن عنه سابقاً بين ترامب وماسك، عُقد في المكتب البيضاوي خلال ديسمبر 2025.
وبحسب مسؤول حضر الاجتماع، أمضى ترامب ساعات في طرح أسئلة على نظام “غروك” تتعلق برئاسته والإرث الذي سيتركه بعد انتهاء ولايته. وفي ذلك الوقت، كان ترامب يصدر أوامر بتنفيذ ضربات صاروخية ضد قوارب فنزويلية اتهمها بتهريب المخدرات إلى الولايات المتحدة.
وخلال الاجتماع، طرح ترامب على “غروك” سؤالاً بشأن رد فعل الفنزويليين المحتمل إذا أقدمت الولايات المتحدة على اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. وبحسب المسؤول الذي حضر الاجتماع، أجاب روبوت الدردشة بأن مادورو ديكتاتور قمعي لا يتمتع بشعبية واسعة، وأن سقوطه سيقابل على الأرجح باحتفالات من جانب عدد كبير من الفنزويليين.
وفي الشهر التالي، أصدر ترامب أمراً بتنفيذ عملية عسكرية لاعتقال مادورو، أعقبتها احتفالات في شوارع فنزويلا. وطبقاً لمسؤولين مطلعين، خرج الرئيس الأميركي من تلك التجربة مقتنعاً بأن “غروك” يتمتع بقدرات استثنائية وذكاء لافت.
الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الكونغرس
استشهد النائبان الديمقراطيان في رسالتهما بما كشفه تقرير “تايم” عن استعانة ترامب بنظام “غروك” للحصول على “نصائح بشأن تنفيذ بعض واجباته الرئاسية”. وأشارا على وجه الخصوص إلى سؤال ترامب للنظام عن ردود فعل الفنزويليين المحتملة في حال اعتقال مادورو.
ولفت النائبان إلى أنه بعد “أسابيع فقط” من تلك المحادثة، أصدر ترامب أوامره إلى الجيش الأميركي بشن هجوم على فنزويلا واعتقال رئيسها، من دون الحصول على تفويض من الكونغرس. ووصف راسكين وغارسيا هذه الواقعة بأنها “مثيرة للقلق الشديد”.
واعتبرا أن ترامب “استشار غروك، وليس الكونغرس، بشأن نشر القوات العسكرية الأميركية في فنزويلا”، متجاوزاً بذلك السلطة الدستورية الممنوحة للكونغرس لإعلان الحرب. وأضافا أن هذا التصرف أدخل إلى عملية صنع القرار في السياسة الخارجية الأميركية تكنولوجيا يمكن التلاعب بها بسهولة، وثبت أنها معرضة لارتكاب الأخطاء.
وحذر النائبان من أن استخدام البيت الأبيض لروبوتات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي “يعرض الولايات المتحدة لمخاطر حادة على الأمن القومي”. كما اعتبرا أن الاعتماد على هذه الأنظمة قد يجعل البلاد عرضة “لتأثيرات خبيثة من أطراف ثالثة مجهولة لا تخضع للمساءلة”.
البيت الأبيض يرد وخلاف قانوني حول السجلات
رداً على هذه التصريحات، قال مسؤول في إدارة ترامب إن البيت الأبيض “يحتفظ بجميع السجلات المطلوب حفظها وفقاً للقانون”، لكنه امتنع عن الإجابة عن الأسئلة المحددة المتعلقة بالرسالة التي وجهها النائبان الديمقراطيان إلى الرئيس.
تستند مطالبة الديمقراطيين إلى “قانون السجلات الرئاسية”، الذي أُقر في أعقاب فضيحة “ووترغيت”. وينص القانون على أن السجلات الرئاسية تعد ملكاً للشعب الأميركي، وأنه يجب حفظها بصورة منفصلة عن المواد والسجلات الشخصية للرئيس. وفي عام 2014، أقر المشرعون الأميركيون تعديلات وسعت نطاق القانون ليشمل السجلات الإلكترونية، مؤكدين أن مبدأ حفظ السجلات ينطبق على محتوى المعلومات نفسها وليس على الوسيط أو التقنية المستخدمة لتخزينها.
وبناءً على هذا المبدأ، يبدو أن المحادثات التي يجريها الرئيس مع روبوتات الذكاء الاصطناعي أثناء أداء واجباته الرسمية يمكن أن تندرج ضمن السجلات التي يتعين الاحتفاظ بها، لكن القانون لا يتضمن إشارة صريحة إلى الذكاء الاصطناعي. أما الإرشادات الفيدرالية الأكثر ارتباطاً بهذه المسألة، والصادرة عن الأرشيف الوطني الأميركي، فتتناول المؤسسات الحكومية الخاضعة لقانون منفصل يعرف باسم “قانون السجلات الفيدرالية”. وتعد هذه الإرشادات أن الأسئلة والتعليمات الموجهة إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي، والإجابات الناتجة عنها، يمكن أن تشكل سجلات رسمية إذا جرى التقاطها وحفظها داخل الأنظمة التابعة للمؤسسات الحكومية. غير أن منتقدين يرون أن هذا الشرط يحد من نطاق تطبيق الإرشادات على روبوتات الدردشة التجارية، التي قد تستخدم خارج أنظمة حفظ السجلات الحكومية.
وفي تطور قانوني لافت، أعلن مكتب المستشار القانوني التابع لوزارة العدل الأميركية في أبريل أن قانون السجلات الرئاسية غير دستوري. ومع ذلك، أبلغ البيت الأبيض إحدى المحاكم بأن موظفيه ما زالوا يحتفظون بالمواد والسجلات المرتبطة بأعمالهم الرسمية. وأصدر قاضٍ فيدرالي في مايو أمراً يلزم الإدارة الأميركية بمواصلة الاحتفاظ بالسجلات الرئاسية في الوقت الراهن. ويعكس هذا الخلاف حالة من الغموض القانوني بشأن حدود التزام الإدارة بحفظ السجلات، ولا سيما مع دخول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى عمليات العمل واتخاذ القرارات داخل المؤسسات الحكومية.