ذهب الرئيس التنفيذي لتجربة العميل في شركة وسط جدة للتطوير، المهندس أحمد العارضي، إلى أن الحكم على نجاح التطوير العمراني لا ينبغي أن يتوقف عند عدد المباني والمرافق التي تُشيّد، بل يمتد إلى ما ينتج عنه من تحسّن ملموس في جودة الحياة، وما يفتحه من أبواب اقتصادية ومجتمعية، وما يغادره من أثر باقٍ في حياة السكان.
جاء ذلك في مداخلته خلال الجلسة الرابعة من ملتقى مستقبل القطاع غير الربحي 2026، التي حملت عنوان «العمران من أجل الإنسان»، وعُقدت في مركز مؤتمرات مركز الملك عبدالله المالي بالرياض، حيث تناول النقاش ما يقدمه التطوير العمراني من فرص اقتصادية، ودوره في الارتقاء بجودة الحياة وبناء مجتمعات أكثر تلاحماً واستدامة.
مشاركون في الجلسة
أدارت الجلسة الأميرة نورة بنت تركي بن عبدالله آل سعود، الشريك المؤسس لوقف «مجتمع أيون»، وشارك فيها إلى جانب العارضي كل من خالد البكر الرئيس التنفيذي لبرنامج جودة الحياة، والمهندس سعد بن محمد القرني الرئيس التنفيذي لمؤسسة روشن الأهلية، والدكتور مشاري النعيم الأمين العام لجائزة عبداللطيف الفوزان لعمارة المساجد.
وسط جدة: رؤية تنطلق من الإنسان
وأشار العارضي إلى أن التصور العمراني لوجهة وسط جدة يستند في الأساس إلى الإنسان وتجربته داخل المكان، عبر تكامل المساحات العامة مع التجارب الثقافية والترفيهية والرياضية، وارتباط المشروع بهوية جدة البحرية والثقافية، بما ينتهي إلى تجربة حضرية مكتملة العناصر للمقيمين والزائرين على حد سواء.
وقال العارضي: «قيمة المكان ليست فيما يحتويه فقط، بل فيما يتيحه للناس»، مبيّناً أن الساحات العامة ليست فراغات تفصل بين المباني، وإنما فضاءات للالتقاء والتفاعل والشعور بالانتماء، وأن جودة التخطيط تُقرأ في سهولة الوصول إلى المكان، وتنوع التجارب التي يعرضها، والقدرة على استيعاب احتياجات شرائح المجتمع المختلفة.
وتترجم «وجهة وسط جدة» هذا النهج عبر تخصيص 40% من مساحتها الكلية للمساحات الخضراء والأماكن العامة، وإقامة شاطئ عام يمتد 2.1 كيلومتر، وشريط بحري بطول 9.5 كيلومتر، فضلاً عن أربعة معالم معمارية بارزة هي دار الأوبرا، والأحواض المحيطية، والاستاد الرياضي، والمتحف، وهو ما يعكس تنوع التجارب الثقافية والترفيهية والسياحية والرياضية ضمن منظومة عمرانية واحدة.
الهوية والذاكرة قبل الشكل
وفي محور الهوية الحضرية، شدد العارضي على أن تطوير المدن لا يعني محو ذاكرتها، لافتاً إلى أن هوية جدة أوسع من الشكل المعماري، إذ تشمل صلة المدينة بالبحر وثقافتها وحرفها وذاكرتها الاجتماعية. ورأى أن التحدي يكمن في إبقاء هذه المكونات حاضرة ضمن تجربة معاصرة تستوعب طموحات المستقبل من دون أن تفقد روح المدينة.
شراكات واضحة الأدوار
كما دعا إلى تكامل الأدوار بين المطورين والجهات المختصة والقطاع غير الربحي من أجل تعظيم الأثر المجتمعي للمشاريع، موضحاً أن المؤسسات غير الربحية قادرة، بحسب اختصاصاتها وإمكاناتها، على الإسهام في إعداد برامج ثقافية وتعليمية وبيئية وتطوعية، وفي تنشيط المشاركة المجتمعية، من خلال شراكات محددة الأدوار ويمكن قياس نتائجها.
مؤشرات تتجاوز البناء والتسليم
وفي ختام مداخلته، أكد العارضي أن قياس نجاح المشاريع العمرانية يتجاوز مؤشرات الإنشاء والتسليم ليصل إلى مؤشرات تعبّر عن تجربة الإنسان، من قبيل استخدام المساحات العامة، ورضا المستفيدين، وسهولة الوصول، والمشاركة المجتمعية، وقال: «اكتمال المبنى يقيس مرحلة من الإنجاز، أما اكتمال القيمة فيظهر في تجربة الإنسان».
وتُقرأ مشاركة شركة وسط جدة للتطوير في الملتقى في سياق التأكيد على ضرورة تبنّي رؤية عمرانية متكاملة تضع الإنسان في صدارة التخطيط، وتشدّد على تكامل الأدوار بين مختلف القطاعات، بما يفضي إلى بيئة حضرية أعلى جودة وأكثر استدامة، ويوطّد علاقة جدة ببحرها وهوية أهلها ومستقبلها.