تتصدر أسئلة مصير مشروع مترو جدة المشهد مجدداً، في ظل التوسع العمراني المتسارع الذي تعيشه المدينة، والنمو السكاني والزوار، واتساع النشاط الاقتصادي والتجاري والسياحي. فبين طموحات إنشاء شبكة نقل حديثة تواكب تطور عروس البحر الأحمر، والتحديات المرتبطة بالتمويل والتنفيذ والتشغيل، يظل السؤال الأبرز: متى يتحول هذا المشروع المنتظر من ورق إلى وسيلة نقل يومية يستفيد منها الجميع؟
خطوات جديدة بعد انتظار طويل
يعود طرح فكرة إنشاء المترو إلى مطلع العقد الماضي، ضمن خطط تطوير منظومة النقل العام في جدة، التي تسعى إلى إيجاد بدائل للسيارات الخاصة وتحسين الربط بين المناطق الحيوية. وبعد سنوات من إعادة الدراسة ومراجعة الأولويات، ظهرت خلال عام 2026 مؤشرات جديدة على تحريك الملف، إذ طُرحت أعمال استشارية للتصميم الأولي للمسار الأزرق، وفق تقارير متخصصة في مشاريع البنية التحتية.
ويستهدف المسار الأزرق ربط مطار الملك عبدالعزيز الدولي بمحطة قطار الحرمين السريع، بطول يبلغ نحو 35 كيلومتراً، يضم 15 محطة مخططة. وفي مايو 2026، أعلن عن اختيار شركة «إيجيس» الفرنسية لتقديم الاستشارات الخاصة بالتصميم الأولي، في خطوة تعكس انتقال المشروع إلى مرحلة تحضير فني جديدة، دون أن تعني بدء أعمال الإنشاء أو تحديد موعد نهائي للتشغيل.
أهمية استراتيجية في مواجهة الازدحام
لا تقتصر أهمية مترو جدة على كونه مجرد مشروع نقل، بل تمتد إلى دوره المحتمل في معالجة أحد التحديات اليومية الكبرى: الازدحام المروري والاعتماد الكبير على السيارات الخاصة في التنقل بين المنازل والجامعات ومقار العمل. إذ يمكن لشبكة مترو فعالة، ذات مسارات ومحطات مصممة وفق الاحتياجات الفعلية، أن توفر خياراً سريعاً ومنتظماً، وتقلص عدد السيارات المستخدمة يومياً، وترفع كفاءة الحركة المرورية.
كما يمكن للمشروع أن يوفر وسيلة تنقل عملية للطلاب والعاملين في القطاعين العام والخاص، عبر ربط الأحياء السكنية بالجامعات ومراكز الأعمال والمناطق التجارية، مما يسهم في تقليل الوقت المهدور على الطرق ورفع الإنتاجية وجودة الحياة. وعلى الصعيد البيئي، فإن تشجيع استخدام النقل العام يساعد في خفض الانبعاثات الكربونية وتحسين جودة الهواء، شريطة وجود شبكة متكاملة وخدمة موثوقة ومحطات مترابطة مع وسائل النقل الأخرى.
استثمار تنموي يحتاج تخطيطاً عميقاً
يمثل إنشاء شبكة مترو في مدينة بحجم جدة استثماراً تنموياً ضخماً، يتطلب ميزانيات كبيرة ودراسات جدوى دقيقة وخطة تنفيذ مرحلية، بالإضافة إلى نموذج تشغيلي يضمن الاستدامة المالية وكفاءة الخدمة على المدى الطويل. ومن هنا تبرز أهمية تكثيف التنسيق بين الجهات المختصة، مثل هيئة تطوير جدة وأمانة المحافظة، والجهات المعنية بالنقل والتخطيط الحضري، لتسريع الإجراءات وضمان وضوح المسؤوليات وتكامل الأدوار.
ولا يقتصر نجاح المشروع على إنشاء خطوط السكك الحديدية والمحطات فحسب، بل يتطلب خطة تشغيلية تحدد مسارات الشبكة وتواتر الرحلات وآليات الربط مع الحافلات، وتوفير مواقف مناسبة عند المحطات، والاستفادة من التقنيات الحديثة في إدارة الحركة والتذاكر. كما يجب دراسة فرص مشاركة القطاع الخاص في التمويل والتشغيل وتطوير المناطق المحيطة بالمحطات، لتنويع مصادر التمويل وتعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي.
سباق مع الزمن لمواكبة النمو والمناسبات العالمية
تأتي الحاجة الملحة لتطوير منظومة النقل العام بالتزامن مع التوجهات التنموية للمملكة، والاستعداد لاستضافة فعاليات دولية كبرى، أبرزها كأس العالم 2034، إضافة إلى تنامي مكانة جدة كوجهة سياحية واقتصادية. كما أن مشروع برج جدة، الذي يسعى ليكون الأعلى عالمياً، يعزز الطموحات ويزيد أهمية التخطيط المبكر لمنظومة نقل قادرة على خدمة المناطق الحيوية الجديدة.
وفي هذا السياق، يمكن لمترو جدة أن يلعب دوراً محورياً في ربط المطار ومحطة القطار والمناطق السكنية والتجارية والسياحية، مع أهمية دراسة التكامل بين المترو وشبكة حافلات جدة، وربط المحطات بمراكز النقل ومواقع الفعاليات، فضلاً عن الربط مع وسائل النقل البحري والواجهة البحرية حيثما أمكن.
يبقى السؤال الذي ينتظر سكان جدة إجابة واضحة: هل يرى مترو جدة النور خلال السنوات المقبلة ليكون جزءاً من منظومة نقل حديثة تواكب تطلعات المدينة؟ الإجابة لا تتوقف على أهمية المشروع التي باتت واضحة، بل على القدرة على تحويل الخطط إلى خطوات تنفيذية ملموسة، تضع المترو على مسار الإنجاز وتمنح عروس البحر الأحمر نقلة نوعية في التنقل.