على الرغم من مكانتها بين أبرز منتجي النفط في العالم، اختارت أبوظبي منذ وقت مبكر الاستثمار في مصادر الطاقة النظيفة، في رهان طويل الأمد على تنويع مزيج الكهرباء وتقليل الانبعاثات والاستعداد لاقتصاد ما بعد النفط. وتتوزع هذه الجهود على ثلاثة محاور رئيسية: مدينة مصدر، ومحطة براكة للطاقة النووية السلمية، ومحطات الطاقة الشمسية الضخمة.
ويحظى هذا الملف باهتمام واسع في المملكة أيضا، في ظل البرامج السعودية الطموحة للطاقة المتجددة ضمن رؤية 2030، ما يجعل التجربتين محل مقارنة وتكامل. ولمتابعة أحدث الإعلانات والمشروعات في هذا المجال، تغطي منصات اخبار الامارات تطورات قطاع الطاقة وخطط الحياد المناخي في الدولة.
مدينة مصدر: مختبر للمدن المستدامة
أطلقت أبوظبي مبادرة مصدر عام 2006، وكان من أبرز مكوناتها مدينة مصدر التي صممت لتكون نموذجا للتخطيط العمراني منخفض الاستهلاك للطاقة، مستفيدة من مبادئ العمارة التقليدية في التظليل والتهوية الطبيعية، إلى جانب التقنيات الحديثة في الإدارة الذكية للمباني والطاقة. وتستضيف المدينة المقر الرئيسي للوكالة الدولية للطاقة المتجددة (آيرينا)، وهي أول منظمة حكومية دولية يقع مقرها في المنطقة.
كما تحولت شركة مصدر إلى مستثمر عالمي في مشروعات طاقة الرياح والطاقة الشمسية في عشرات الدول، ما جعلها ذراعا إماراتية رئيسية في سوق الطاقة النظيفة خارج حدود الدولة. وفي الجانب البحثي، احتضنت المدينة معهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا الذي دمج لاحقا في جامعة خليفة، ليواصل البحث في مجالات الطاقة والمياه والاستدامة.
وامتد أثر هذه التجربة إلى قطاع البناء في الإمارة، إذ تطبق أبوظبي برنامج استدامة لتقييم المباني والمجتمعات العمرانية وفق نظام اللؤلؤ، الذي يضع اشتراطات لكفاءة استهلاك الطاقة والمياه في المشروعات الجديدة، ما يجعل خفض الاستهلاك جزءا من التخطيط منذ مرحلة التصميم.
اقرأ أيضا: أبوظبي ما بعد النفط: الصناعة والسياحة والتقنية في خطة التنويع
محطة براكة: الطاقة النووية السلمية
في منطقة الظفرة غرب أبوظبي تقع محطة براكة للطاقة النووية، أول محطة نووية تجارية متعددة الوحدات في العالم العربي. وتتكون المحطة من أربع وحدات دخلت الخدمة تباعا، وقد طورتها مؤسسة الإمارات للطاقة النووية بالشراكة مع شركة كوريا للطاقة الكهربائية (كيبكو)، وتتولى تشغيلها شركة نواة للطاقة. وقد بدأ تشغيل الوحدة الأولى تجاريا عام 2021، واكتمل تشغيل الوحدات الأربع عام 2024.
وتقدم المحطة كهرباء على مدار الساعة دون انبعاثات كربونية أثناء التشغيل، ويشار إليها رسميا بوصفها قادرة على تلبية ما يصل إلى ربع احتياجات الدولة من الكهرباء. وتخضع لرقابة الهيئة الاتحادية للرقابة النووية، مع التزام الدولة بمعايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتخليها عن تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود محليا، وهو التزام عزز الثقة الدولية في البرنامج.
الطاقة الشمسية: محطات بحجم الصحراء
تستفيد أبوظبي من وفرة الإشعاع الشمسي ومساحات الصحراء الواسعة، وقد أنشأت محطات كبرى للطاقة الشمسية الكهروضوئية، منها محطة نور أبوظبي في منطقة سويحان، ومحطة الظفرة للطاقة الشمسية التي تعد من أكبر المحطات أحادية الموقع في العالم. وأسهمت هذه المشروعات، المنفذة غالبا بنظام الشراكة مع القطاع الخاص، في خفض تكلفة إنتاج الكهرباء الشمسية إلى مستويات تنافسية عالميا.
ويتابع المهتمون بالشأن المحلي في العاصمة تقدم هذه المشروعات وخطط التوسع فيها عبر منصات أخبار أبوظبي، خاصة مع الاتجاه إلى دمج تقنيات تخزين الطاقة بالبطاريات لمعالجة تقطع الإنتاج الشمسي بعد غروب الشمس.
اقرأ أيضا: كيف رسخت دبي مكانتها مركزا ماليا في المنطقة؟
ويرتبط ملف الطاقة النظيفة في الإمارات ارتباطا وثيقا بالمياه، فالدولة تعتمد على تحلية مياه البحر لتأمين احتياجاتها، وكانت محطات التحلية تقليديا تقترن بمحطات توليد تعمل بالغاز. ومع اتساع الطاقة الشمسية، يتجه الاهتمام إلى تقنيات التحلية بالتناضح العكسي الأقل استهلاكا للطاقة، والتي يمكن تشغيلها بكهرباء نظيفة.
الحياد المناخي والتجربة الخليجية
أعلنت دولة الإمارات مبادرتها الاستراتيجية لتحقيق الحياد المناخي بحلول عام 2050، واستضافت دبي مؤتمر الأطراف COP28 عام 2023، ما وضع ملف التحول في الطاقة في صدارة الاهتمام. ويمكن الاطلاع على السياسات والاستراتيجيات الوطنية ذات الصلة عبر البوابة الرسمية لحكومة الإمارات.
ويمكن تلخيص أبرز ملامح النموذج الذي تقدمه أبوظبي فيما يلي:
- الجمع بين مصادر متعددة: النووي للحمل الأساسي، والشمسي لساعات النهار.
- الاعتماد على الشراكة مع القطاع الخاص في تمويل المحطات الكبرى.
- الاستثمار الخارجي في الطاقة المتجددة عبر شركة مصدر.
- استمرار الدور في أسواق النفط والغاز بالتوازي مع التحول التدريجي.
وتتطلع الدولة كذلك إلى دور في سوق الهيدروجين منخفض الكربون، عبر استراتيجية وطنية خاصة به، ومشروعات تجريبية تستكشف إنتاجه باستخدام الكهرباء المتجددة، وهو مجال لا يزال في مراحله الأولى عالميا من حيث التكلفة وسلاسل التوريد.
وتلتقي هذه التوجهات مع مسارات مماثلة في المملكة، التي تمضي في مشروعات كبرى للطاقة الشمسية وطاقة الرياح وخطط للهيدروجين الأخضر في نيوم، وفي المنطقة عموما، ما يفتح المجال أمام تعاون خليجي أوسع في الربط الكهربائي وتبادل الخبرات والاستثمار المشترك. وتوفر هيئة الربط الكهربائي لدول مجلس التعاون الخليجي إطارا قائما لتبادل الكهرباء بين الدول الأعضاء، يمكن أن يتعاظم دوره مع ازدياد حصة المصادر المتجددة. ويبقى التحدي الأكبر في إدارة مرحلة انتقالية تحافظ على أمن الإمدادات واستقرار الأسعار، بينما تتسع حصة الطاقة النظيفة عاما بعد عام.