انتقل إلى المحتوى الرئيسي
عربي و عالمي

عام 2026.. بيت زينب خاتون بالقاهرة يروي قصة كنز ذهبي وأسرار معمارية

عام 2026.. بيت زينب خاتون بالقاهرة يروي قصة كنز ذهبي وأسرار معمارية

في قلب القاهرة التاريخية، وعلى مرمى حجر من الجامع الأزهر، يقف بيت زينب خاتون كأحد أبرز الشواهد على عبق العمارة المملوكية والعثمانية. هذا البيت العتيق لا يحتفظ فقط بجمال تصميمه الفريد، بل يخفي أيضاً قصة اكتشاف كنز أثري ضخم يضم 3611 عملة ذهبية تعود إلى القرن الخامس عشر الميلادي.

تاريخ البيت وأصله

يقع هذا المبنى التاريخي في أحد أزقة المنطقة المحيطة بالجامع الأزهر، وقد ازدهر بين العصرين المملوكي (1250-1517م) والعثماني (1517-1867م). ووفقاً للوحة تعريفية أعدتها وزارة السياحة والآثار المصرية، يجمع البيت بين خصائص الطرازين المعماري والفني لهذين العصرين، ويُعد نموذجاً فريداً للمساكن في القاهرة القديمة.

يعود تاريخ إنشاء البيت إلى العصر المملوكي، ثم جرى تجديده على يد الأمير مثقال السودوني الظاهري ومن بعده السلطان قايتباي. وفي العصر العثماني، وتحديداً عام 1780، سكنته السيدة زينب خاتون التي حمل البيت اسمها منذ ذلك الحين. كانت زينب خاتون جارية لمحمد بك المغري، ثم نالت حريتها وتزوجت من الأمير حمزة الخربوطلي، فأصبحت أميرة ولقبت بـ”خاتون”، وهي كلمة فارسية تعني المرأة الشريفة الجليلة.

تعكس جدران البيت روائع الفنون الإسلامية من العصرين المملوكي والعثماني، وتتجلى في الأعمال الرخامية والجصية المزججة بالزجاج الملون، والمشربيات، والشبابيك، والأسقف الخشبية المذهبة والملونة بالزخارف النباتية والهندسية. وقد قامت لجنة حفظ الآثار العربية بترميم المنزل في أوائل القرن العشرين، ثم انتقلت ملكيته إلى وزارة الأوقاف المصرية عام 1942.

كنز ذهبي تحت عتبة الغرفة

في عام 1989، وخلال أعمال ترميم جديدة أجرتها هيئة الآثار المصرية، عثر العمال على مفاجأة من العيار الثقيل. فتحت عتبة إحدى الحجرات، كان هناك قدران من الفخار يخفيان كنزاً هائلاً. بلغ عدد القطع المكتشفة 3611 عملة ذهبية، يعود تاريخها إلى القرن الخامس عشر، ومن بينها ألفا عملة سكت في إيطاليا وإسبانيا والبرتغال والمجر.

اليوم، تُحفظ هذه العملات في متحف الفن الإسلامي بالقاهرة، وتعرف باسم “كنز زينب خاتون”. كما تشير شركة المقاولون العرب في موقعها الإلكتروني إلى أنها نفذت مشروعاً في البيت انتهى عام 2024، تضمن بناء قبة بارتفاع 14 متراً فوق سطح المنزل، إضافة إلى ممر بانورامي يطل على القاهرة التاريخية.

تصريحات خبير أثري

أكد كبير الأثريين المصريين مجدي شاكر، في حديث لوكالة الأناضول، على الأهمية الكبرى لبيت زينب خاتون والبيوت الأثرية المجاورة في منطقتي الأزهر والجمالية، مشيراً إلى أنها تعكس تطور العمارة المملوكية والعثمانية. وأوضح أن البيوت التاريخية في مصر مثل هذا البيت تتميز بخصائص معمارية فريدة ومتكاملة تشمل المداخل المنكسرة، والصحون الداخلية (قلب البيت)، والنافورة، والحدائق الصغيرة، وقاعات الحرملك والسلاملك، والمشربيات.

ودعا شاكر إلى ضرورة تسويق الآثار الإسلامية مثل بيت زينب خاتون كمنتج سياحي مستقل يخاطب أسواقاً محددة، خاصة جنوب شرق آسيا ودول وسط آسيا. كما شدد على أهمية إقامة فعاليات ثقافية وفنية تتناسب مع روح هذه الأماكن، وتشجيع شركات الإنتاج السينمائي والمخرجين المحليين والعالميين على استخدام البيوت الإسلامية التاريخية كمواقع للتصوير الدرامي.

أسرار معمارية في دراسة حديثة

وفي دراسة معمارية نشرها مطلع العام الجاري (2026)، تناول المهندس أشرف رشاد، الباحث في تاريخ وفنون العمارة، قراءة معمقة لمنزل زينب خاتون. ووفقاً للدراسة، يُعد هذا المنزل واحداً من أبرز نماذج العمارة السكنية التاريخية في القاهرة الإسلامية، ليس فقط لقيمته الأثرية بل لما يحمله من حلول معمارية متقدمة تعكس العلاقة بين الإنسان والمكان والمناخ والمجتمع.

تقع دار زينب خاتون في نسيج عمراني كثيف بالأزقة الضيقة والمباني المتلاصقة، مما فرض على المعمار حلولاً ذكية لمواجهة محدودية الفراغ والضوضاء. وأبرز هذه الحلول هو تصميم المدخل وفق نظام “المدخل المنكسر”، الذي يحجب رؤية الداخل عن الزائر، تجسيداً لفلسفة الخصوصية في العمارة الإسلامية.

في قلب المنزل، يتوسطه صحن (فناء داخلي) يعمل كمركز بيئي واجتماعي، حيث يوزع الإضاءة والتهوية الطبيعية على جميع الحجرات ويحقق الخصوصية البصرية. وتشرف على هذا الفناء مشربيات من خشب الخرط الجميل. ويشبه تخطيط هذا المنزل بيوتاً تاريخية أخرى في القاهرة مثل بيت الهراوي (1486م) وبيت السحيمي (1648م)، مما يؤكد أن الصحن كان عنصراً أساسياً في العمارة السكنية المملوكية والعثمانية.

وتظهر الدراسة أن المساحات الداخلية تعتمد تسلسلاً هرمياً في الانتقال من العام إلى الخاص، عبر الفصل بين السلاملك (للاستقبال) والحرملك (للأسرة). كما تعامل المنزل بذكاء مع المناخ الحار للقاهرة عبر المشربيات التي تكسر حدة الشمس، والأسقف المرتفعة، والتهوية المتقاطعة، واستخدام المواد المحلية كالحجر والخشب. وتخلص الدراسة إلى أن العمارة الإسلامية السكنية لم تكن مجرد استجابة وظيفية، بل نتاج رؤية شمولية جمعت بين المناخ والثقافة والاجتماع والجمال، وأن منزل زينب خاتون شاهد حي على قدرة العمارة التقليدية على تقديم حلول إنسانية ومستدامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني