شهد الأسبوع الماضي تحولاً لافتاً في مسار القضايا السورية داخل الأمم المتحدة؛ فبعد أن كانت الملفات تُرفع إلى الجمعية العامة رغماً عن السلطة الحاكمة في دمشق، جاء القرار هذه المرة من الحكومة السورية الجديدة بعد سقوط نظام الأسد. وقد اعتمدت الجمعية العامة بالإجماع مشروع قرار تقدمت به سوريا، يقضي باعتبار 19 ديسمبر من كل عام يوماً دولياً لتكريم النساء اللواتي يبحثن عن المفقودين.
اختيار يحمل رسالة سياسية
حرصت سوريا في أول مشروع قرار تطرحه على الجمعية العامة في عهدها الجديد على تخصيصه للأمهات والزوجات والأخوات والبنات اللواتي واصلن البحث عن أحبائهن رغم كل الظروف. ويحمل هذا الاختيار دلالة سياسية واضحة، إذ تضع دمشق مأساة مواطنيها في صدارة أولويات تحركها الدولي، وتسعى إلى الاعتراف بجهود نساء حافظن على القضية حاضرة في وقت كان فيه الإنكار جزءاً من سياسة الحكم السابق.
وأوضح مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي أن القضية كانت تصل إلى الجمعية العامة في السابق رغم إرادة النظام، بينما تأتي اليوم من دمشق نفسها. وتكمن أهمية هذه المقارنة في اختلاف المسؤولية التي تتبناها الدولة الآن، من خلال الاعتراف بوجود المفقودين، والعمل على البحث عنهم، ومساعدة أسرهم في الوصول إلى الحقيقة.
غياب يمتد إلى تفاصيل الحياة
وراء كلمة «المفقودين» قصص إنسانية يصعب حصرها في أرقام: أم لا تعرف مصير ابنها، وزوجة تتحمل مسؤولية الأسرة دون أن تعلم إن كانت أرملة، وابنة كبرت وهي تحاول تذكر صوت والدها. الغياب هنا لا يقتصر على الشخص المفقود، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، والقرارات التي تؤجلها الأسرة، والسنوات التي تمر دون أن يتضح ما إذا كان عليها الاستعداد للقاء أم للفراق.
لذلك تبرز أهمية تخصيص يوم دولي للنساء الباحثات عن المفقودين. فالقرار يسلط الضوء على ما تحملنه خلال البحث، ويدعو إلى حمايتهن من التمييز والعنف، وإشراكهن في النقاشات والقرارات المتعلقة بالقضية. فالمرأة التي جمعت شهادات الناجين وحفظت الوثائق وتتبعت الأخبار، تملك معرفة يجب أن تجد مكانها في جهود البحث. ويكتسب التكريم معنى أعمق حين تستطيع التأثير في القرارات التي تمس حياتها.
اختبار الثقة بالمؤسسات الجديدة
من الطبيعي أن تحتفي دمشق بهذا الاعتراف الدولي، لكن العائلات ستقيس أثره بما يتغير في تجربتها اليومية: هل سيستمع إليها جيداً؟ هل يصلها جواب موثوق عن الإجراءات المتخذة، حتى عندما لا يؤدي البحث إلى نتيجة حاسمة؟ هذه التفاصيل أساسية لبناء ثقة المواطن بمؤسسات دولته، بعد عقود ارتبطت فيها تلك المؤسسات بالخشية والإنكار.
توجد اليوم أدوات يمكن البناء عليها. فقد أنشأت الجمعية العامة عام 2023 المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، لتوضيح مصيرهم وأماكن وجودهم ودعم عائلاتهم. وفي مايو 2025، أُنشئت الهيئة الوطنية للمفقودين بمرسوم رئاسي، ثم أطلقت في أغسطس الماضي برنامج «أثر» لتلقي البلاغات والإسهام في بناء سجل وطني موحد. ويتوقف أثر هذه الخطوات على قدرتها في تنظيم البحث، وتبادل المعلومات، وحماية بيانات العائلات وإبقائها على اطلاع بما يتحقق.
العمل المطلوب شاق: يبدأ بحماية مواقع المقابر الجماعية والوثائق، ويمر بربط قواعد البيانات والاستماع إلى الناجين، وإجراء المطابقات الجينية، ويحتاج إلى خبرات وتمويل وتعاون دولي مستمر. قد يستغرق الوصول إلى بعض الإجابات سنوات، لذلك تصبح المصارحة جزءاً من المسؤولية، حتى تعرف الأسر ما أُنجز وما تعذر إنجازه وأسباب التأخير، ولا تُترك أمام صمت جهة ما أو وعود يصعب الوفاء بها.
ويمثل البحث عن جميع المفقودين، أياً كانت هوياتهم أو الجهات المسؤولة عن تغييبهم، قضية وطنية جامعة، وحقاً للعائلات في معرفة مصير أحبائها. فالعائلة التي تسأل عن ابنها لا ينبغي أن تثبت استحقاقه للبحث وفق انتمائه، مع الحفاظ على الأدلة التي تحتاجها المحاسبة، حتى تسير معرفة الحقيقة والعدالة في اتجاه متكامل.
دعوة للتعاون العربي والدولي
تستحق المبادرة دعماً عالمياً وعربياً يتجاوز التصويت والبيانات. ففي لبنان والعراق واليمن وليبيا وفلسطين عائلات تعرف هذا الانتظار، ويمكن أن يفتح اليوم الدولي مجالاً لتبادل الخبرات ودعم الباحثات عن المفقودين. وبوسع المؤسسات العربية أن تسهم في تدريب المختصين وتمويل تقنيات التعرف إلى الهوية، وتوفير المساندة النفسية والاجتماعية. ومثل هذا التعاون يمنح المبادرة السورية أثراً ملموساً خارج حدودها.
من شأن هذا المسار أن يضيف إلى التعافي السوري بعداً يصعب قياسه بالمشروعات والأموال، فإعادة بناء البلاد تشمل أيضاً قدرة الناس على تصديق أن الحكومة ستستمع إليهم، وأن وثيقة يقدمونها لن تضيع، وأن حقهم في السؤال سيبقى مصوناً.
عندما يحل التاسع عشر من ديسمبر المقبل، ستكون المناسبة فرصة لإظهار ما تحقق، والإقرار بما يحتاج إلى وقت وجهد إضافيين. لا شك أن مأساة بهذا الحجم لن تُحسم في أشهر، لكن من حق النساء اللواتي حملن صور أحبائهن طوال سنوات الخوف، أن يرين بحثاً يتقدم ومؤسسات تصغي لهن.