انتقل إلى المحتوى الرئيسي
محليات

تحول مكافحة الفساد في السعودية من حملة استثنائية إلى نظام مؤسسي دائم

تحول مكافحة الفساد في السعودية من حملة استثنائية إلى نظام مؤسسي دائم

كانت الدولة قبل إعلان الرؤية تمتلك أجهزة رقابية وأنظمة مكتوبة، لكن وجود النص لا يضمن تنفيذه دائمًا، كما أن التجريم وحده لا يكفي عندما تتشكل حول بعض الجهات حصانة غير معلنة. لذلك جاء التحول الذي قاده سمو الأمير محمد بن سلمان ليغير النقاش من سؤال “هل الفساد مجرم؟” إلى سؤال أكثر عمقًا: “هل يستطيع النظام الوصول إلى كل فاسد مهما كان اسمه أو منصبه؟”.

تشكيل اللجنة العليا وإجراءاتها

في الرابع من نوفمبر 2017 صدر الأمر الملكي بتكوين لجنة عليا برئاسة سمو ولي العهد، ومنحت اللجنة صلاحية حصر قضايا الفساد والتحقيق فيها، وتتبع الأموال والأصول وإعادتها إلى الخزينة العامة. شملت الإجراءات أمراء ووزراء سابقين ورجال أعمال، ولم تقتصر أهميتها على شهرة الأسماء فقط، بل أسقطت الفكرة القائلة إن الموقع يخلق منطقة خارج المحاسبة. عندما أنهت اللجنة مهمتها في يناير 2019، أعلن الديوان الملكي استدعاء 381 شخصًا للشهادة، كما تم إجراء تسويات مع 87 شخصًا وإعادة أكثر من 400 مليار ريال إلى خزينة الدولة.

أهداف الرؤية وتبرير التوقيت

لماذا وقع ذلك في 2017 تحديدًا؟ الرؤية التي أُعلنت في العام السابق 2016 لم تكن مجرد برنامج لتحسين الإدارة على هامش الدولة، بل كانت إعادة بناء شاملة للاقتصاد والحكومة والمجتمع. تنفيذها استلزم ثقة بأن تكلفة التحول ستوزع بعدل، فانتقلت السعودية من مرحلة كانت فيها الوفرة تخفي ضعف الكفاءة إلى مرحلة أصبحت فيها كفاءة الريال الواحد جزءًا من الأمن الوطني. لذا لم تعد مكافحة الفساد ترفًا إصلاحيًا، بل أصبحت دفاعًا عن قدرة الدولة على إنجاز مستقبلها.

من الأموال المستعادة إلى مبدأ جديد

لا ينبغي اختزال حملة 2017 في المبالغ المستعادة فقط؛ فقد كانت قيمتها الأعمق في تأسيس مبدأ سياسي واجتماعي جديد مفاده أن لا أحد أكبر من الدولة ولا أحد فوق المساءلة. عندئذ استعادت الوظيفة العامة معناها، وتحول احترام النظام إلى جزء من هيبة الدولة.

التحول إلى المؤسسية الدائمة

لم تكف الحملات وحدها لصنع نزاهة مستدامة؛ لذلك اتجه الفكر إلى الانتقال من الصدمة الضرورية إلى المؤسسية الدائمة. تم إعادة تنظيم أجهزة الرقابة، ثم صدر في 2024 نظام هيئة الرقابة ومكافحة الفساد الذي ربط الهيئة بمقام الملك كرمز لهرم السلطة، ومنحها الاستقلال المالي والإداري، وأنشأ وحدات لحماية النزاهة، والرقابة الإدارية، والتحقيق والادعاء الجنائي، والتعاون الدولي، بالإضافة إلى نظام لحماية المبلغين والشهود. كما وضع النظام ضوابط لإقرارات الذمة المالية ومكافآت المبلغين، ونظم آلية التسويات لتصبح المكافحة بنية قانونية متصلة لا موسمًا عابرًا.

الرقمنة وقياس الشفافية

تعمل الرقمية في نفس الاتجاه؛ فمنصة “اعتماد” ونظام المنافسات والمشتريات الحكومية والفوترة الإلكترونية لا تقصر الوقت فقط، بل تقلل مساحة الوسيط البشري، وتوحد الإجراء، وتترك أثرًا رقميًا قابلًا للمراجعة. هذا هو مفهوم الحوكمة العملية: تصميم الإجراء بحيث يمنع فرصة الفساد قبل البحث عن مرتكبها بعد وقوعها. ولا يُقاس الشفافية بعدد الموقوفين على ذمة قضايا الفساد وحده؛ فقد تدل كثرة القضايا على يقظة الرقابة أو على اتساع الخلل. لذلك يجمع القياس الأدق بين الأموال المستعادة، ونسبة المشتريات المطروحة للمنافسة، وعدد الاستثناءات، وسرعة إغلاق ملاحظات التدقيق، وحماية المبلغين، ونشر الأحكام والبيانات المالية. المؤشر الجيد لا يسأل فقط “كم فاسدًا عوقب؟” بل “كم فرصة للفساد أغلقت؟”.

التقارير الدولية والتنافسية

في مؤشر مدركات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية، ارتفعت السعودية من 46 نقطة والمرتبة 62 في عام 2016 إلى 57 نقطة والمرتبة 45 في إصدار 2025. هذه الأرقام لا تقيس تراجع أو صعود الفساد الفعلي مباشرة، بل تعكس تصورات الخبراء ورجال الأعمال؛ فهي لا تُشكل صك براءة أو إدانة، لكنها تكشف اتجاهًا تصاعديًا للنزاهة العامة فيما يخص المال العام. وفي تقرير التنافسية العالمية لعام 2026 بلغت المملكة المرتبة الثالثة عشرة عالميًا والثالثة بين دول العشرين، وحلت ثالثة عالميًا في شفافية السياسات الحكومية، وتاسعة في ممارسات المراجعة والمحاسبة. هذه النتائج تُظهر تطور البيئة المؤسسية في هذا المجال بفضل فكر سمو الأمير محمد بن سلمان.

التحديات والمسار المستقبلي

يبقى أمام المسار تحديات لا ينتقص الاعتراف بها من المنجز، بل يحميه. فالسلطة المركزية كانت أداة الحسم في لحظة التأسيس، لكن اكتمال النجاح يكون عندما تتحول إرادة القيادة إلى قواعد تعمل بنفس القوة في غياب التدخل المباشر. كما أن حقوق المتهم، ووضوح الإجراءات، ونشر النتائج القضائية ليست قيودًا على المكافحة؛ بل جزء من نزاهتها. المستثمر الأجنبي والمحلي لا يطلبان قانونًا لينًا، بل قانونًا صارمًا يمكن التنبؤ به. المطلوب في المرحلة القادمة تقرير وطني سنوي موحد للنزاهة يربط إنفاذ القانون بالوقاية، وينشر خريطة المخاطر القطاعية، ونسب معالجة الملاحظات، ويعزز استقلال المراجعة المهنية، ويقيس تجربة المبلغ بعد صدور نظام حمايته، ويبني مؤشرًا سعوديًا مركبًا يفرق بين اكتشاف الفساد ومنعه.

كانت حملة 2017 إعلانًا بأن زمن الحصانة قد انتهى، لكن إرثها الأهم لن يكون في من أوقفهم، بل في المؤسسات التي منعت عودة ما كانوا يمثلونه. في فكر سمو الأمير محمد بن سلمان، ليست مكافحة الفساد مطاردةً للماضي فقط، بل هندسة للمستقبل؛ والدولة الفاعلة ليست التي تعاقب أكثر، بل التي تجعل الفساد أصعب، واكتشافه أسرع، ومحاكمته أعدل، وأثره في المال العام منعدمًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني