الجنون بين الإبداع والتمرد: قراءة فلسفية
من ناحية أخرى، ما زلنا نجهل ماهية العقل قبل أن نتمكن من قياس الجنون ضوئه. إذا اعتبرنا أن العقل مجرد الالتزام بالأفكار السائدة، فإن الجنون قد يظهر كإبداع أصيل؛ إذ يتجاوز المعايير المجتمعية ويخالف تقاليدها وقوانينها. لا نغفل أن ما صنف في البداية على أنه جنون يتحول مع الوقت إلى معيار للعقل، بينما يُنظر إلى الرفض السابق على أنه الجنون. البشر يميلون بطبيعتهم إلى مقاومة الجديد، ثم تقبلها، ثم الدفاع عنها بشراسة. بهذا الفهم، الجنون ليس فقدانًا للعقل بل هو صِيحته العالية التي تحررت من قيودها.
نعلم أن العديد من العلماء البارزين وُصِفوا بالمجانين في زمنهم، بينما تبين لاحقًا أن مجتمعاتهم هي التي تحمل سمات الجنون. ديوجين الكلبي يمثل أحد هذه الحالات؛ فقد اتُّهم بالجنون في عصره، وأظهر أن الجنون قد يكون أحيانًا تمردًا واعيًا على جنون المجتمع ذاته.
ويبرز التساؤل الجوهري: من يملك الحق في تصنيف تلك التجربة частью من طيف الجنون أم كجزء من مستويات العقل؟
آراء الفلاسفة والشعراء عن الجنون
يشير جلال الدين الرومي في ديوانه «المثنوي» إلى فكرة مماثلة، حيث يقول:
«هذا الذي تراه غارقًا في صمته، ثم يبتسم بينه وبين نفسه، ليس مختلًا؛ هو، على الأرجح، يستحضر طيفًا يحبه».
تعود جذور تمجيد الجنون إلى أفلاطون، الذي يميّز بين الجنون المرضي والجنون المقدس. ويؤمن أن الجنون المقدس ينزل على الإنسان من السماء، وهو يراه أعلى من العقل ذاته لأنه ينبع من وحي إلهي، في حين يُعتبر العقل مجرد آلة بشرية.
يقسم أفلاطون الجنون المقدس إلى أربعة أنواع: 1. جنون الكهانة أو العرافين: ينطوي على أن الفرد يعتقد أنه تلقى وحيًا من الآلهة يمنحه حكمة أو يوجهه لعمل معين. 2. الجنون التطهيري: يرتبط بالصلاة والعبادة لآلهة اليونان القديمة؛ إذ يُعتقد أن هذا النوع من الهوس يطهر النفس من خطاياها، كما جاء في حوار «فايدروس» لأفلاطون. 3. الجنون الشعري: يلهِم الشعراء والفنانين حين تكون نفوسهم نقية ورقيقة؛ إذ يستثير في داخلهم الشعلة الإبداعية التي تقودهم لكتابة أروع القصائد. من يظن أن موهبته البشرية وحدها تكفي لصنع شاعر عظيم، فسيواجه حتمًا الفشل، حسب ما ذكر أفلاطون. 4. الجنون العشقي: يُعد أرفع أشكال الجنون وأقدسها؛ ففيه يتذكر الفرد عالم المثل، منتقلًا من الجمال المادي إلى الجمال الروحاني، ومن الجمال البشري إلى الجمال الإلهي. هذه هي الأنواع الأربعة للجنون المقدس، المعروف أيضًا بالجنون الخلاصي، في فلسفة أفلاطون.
وبذلك يتضح أن الجنون ليس حتمًا مرضًا؛ بل قد يظهر أحيانًا كإبداع وعبقرية. كما عبر فريدريك نيتشه بقوله:
«هناك دائمًا شيء من الجنون في الحب، ولكن هناك أيضًا دائمًا شيء من العقل في الجنون».