تُعدّ العمارة الأيقونية واحدة من أذكى أدوات الترويج السياحي عندما تتحول إلى علامة تجارية تعرّف المدينة. برج إيفل لم يُشيّد ليكون رمز باريس الأبدي، بل أُقيم لمعرض باريس العالمي عام 1889، ثم تجاوز المناسبة التي أنشئ من أجلها وتحول مع الزمن إلى واحدة من أشهر الصور السياحية عالمياً. والمفارقة أن الرياض ستستضيف إكسبو 2030، بعد 141 عاماً من ذلك المعرض الذي منح باريس أشهر رموزها.
دروس من المدن العالمية
في سيدني، دار الأوبرا لم تعد مجرد مكان لحضور العروض، بل أصبحت صورتها جزءاً من هوية أستراليا البصرية. وفي دبي، أبراج أيقونية مثل برج العرب وبرج خليفة ساهمت في تشكيل صورة ذهنية للمدينة مرتبطة بالطموح والحداثة والأرقام القياسية. أما التجربة الأكثر إثارة للاهتمام، فهي مدينة بلباو الإسبانية. عندما افتتح متحف غوغنهايم عام 1997، لم يكن الحديث عن متحف جميل فقط، بل عن مبنى ساهم في إعادة تقديم مدينة صناعية للعالم كوجهة ثقافية وسياحية، مما ولّد ما يعرف بـ”تأثير بلباو” في الدراسات الحضرية. لكن الدراسات اللاحقة تشير إلى أن نجاح بلباو لم ينتج من غرابة المبنى وحدها، بل من ارتباطه بتحول أوسع للمدينة وتجربتها وهويتها. وهنا درس مهم للرياض.
الرياض: فرصة تاريخية لإعادة تشكيل الصورة الحضرية
العاصمة اليوم أمام فرصة ربما لا تتكرر كثيراً في تاريخ المدن. فهي لا تبني معلمًا واحدًا، بل تعيد تشكيل أجزاء واسعة من صورتها الحضرية بالتزامن مع صعودها السياسي والاقتصادي والسياحي عالمياً. المكعب في المربع الجديد، على سبيل المثال، يمتلك منذ مرحلة التصميم إحدى أهم خصائص المبنى الأيقوني: يمكن التعرف عليه خلال ثانية واحدة. هذه ميزة تسويقية هائلة، إذ أن الشكل الهندسي البسيط والمختلف يجعل من السهل تحويله إلى صورة، ومجسم، وشعار، وتذكار، وخلفية للأحداث الرياضية، ومادة للأفلام والإعلانات ومواقع التواصل الاجتماعي. وقد وصف صندوق الاستثمارات العامة المكعب أصلاً بأنه أيقونة جديدة ستشكل جزءاً من أفق الرياض المستقبلي.
لكن الرياض لديها فرصة أعمق من صناعة مبنى مستقبلي ضخم، إذ يمكن للمدينة أن تبني مجموعة من الأيقونات التي تحكي مراحل مختلفة من شخصيتها. فالدرعية تقدم الوجه التاريخي والنجدي للمدينة والدولة، والطريف يمثل قلباً تاريخياً لا يمكن استنساخه في أي مدينة أخرى، فيما تجمع خطة تطوير الدرعية بين المحافظة على هذا الإرث وإنشاء وجهة ثقافية وسياحية عالمية. في الطرف الآخر يأتي المكعب كصورة للرياض المستقبلية، بينما تستطيع حديقة الملك سلمان ومشروعاتها الثقافية تقديم صورة الرياض الخضراء والثقافية، خصوصاً مع موقع الحديقة المركزي وارتباطها بخمس محطات للمترو. وهكذا يصبح لدينا سرد بصري شديد القوة: الطريف يحكي من أين جاءت الرياض، والرياض الحديثة تحكي أين وصلت، والمكعب وما حوله يحكي إلى أين تريد الذهاب.
بناء منظومة متكاملة للترويج المعماري
ما ينقص هذه المنظومة، بحسب كاتب المقال، هو التفكير في العمارة باعتبارها جزءاً من إستراتيجية الترويج السياحي، وليس نتيجة جانبية للتطوير العقاري. يمكن مثلاً إنشاء مسار سياحي رسمي بعنوان “أيقونات الرياض”، يبدأ من الدرعية والطريف، ويمر بأبرز معالم المدينة المعمارية والثقافية، وينتهي بالمربع الجديد. ويمكن تصميم نقاط تصوير مدروسة في المدينة بحيث يحصل الزائر منها على أفضل مشهد لكل معلم، وربط هذه المواقع بمحطات المترو ومسارات المشاة والحافلات السياحية. والأهم أن تدخل الأيقونات المعمارية بصورة مكثفة في صناعة الصورة الدولية للرياض. المدن السياحية الكبرى لا تبيع فنادقها ومطاعمها فقط؛ إنها تبيع صورة يمكن للإنسان الاحتفاظ بها في ذاكرته. الصورة الناجحة تتكرر آلاف المرات في الأفلام والإعلانات والمباريات والطائرات والتذكارات ومنشورات المسافرين حتى تصبح المدينة ومعلمها شيئاً واحداً.
إرث إكسبو 2030: نحو أيقونة تدوم قروناً
كما يمكن استثمار إكسبو الرياض 2030 لإنتاج إرث معماري دائم. التاريخ يقدم نموذجاً يصعب تجاهله: برج إيفل كان ابن معرض عالمي، ثم عاش بعد المعرض أكثر من قرن وأصبح أحد أشهر الرموز السياحية على الأرض. والموقع السياحي الرسمي للمملكة نفسه يستحضر هذه المقارنة عند الحديث عن إكسبو الرياض 2030. لذلك سيكون من المفيد التفكير منذ الآن في سؤال مختلف: ما المبنى الذي سيتركه إكسبو 2030 للرياض عام 2130؟
ليس المطلوب بالضرورة أطول برج أو أضخم مبنى. الأيقونة الناجحة تحتاج إلى فكرة يمكن فهمها بصرياً، وقصة يستطيع الزائر روايتها، وتجربة تدفعه إلى زيارتها وتصويرها. فالغرابة وحدها لا تصنع وجهة، والحجم وحده لا يصنع ذاكرة. والرياض تحديداً تمتلك مادة نادرة لصناعة هذه القصة، فهي مدينة تنتقل خلال فترة زمنية قصيرة من عاصمة كانت محدودة الحضور في الخريطة السياحية الدولية إلى مدينة تستعد لاستضافة إكسبو 2030 وكأس العالم 2034، في وقت رفعت فيه المملكة مستهدفها السياحي إلى 150 مليون زيارة بحلول 2030 بعد تجاوز المستهدف السابق مبكراً.
لهذا ربما ينبغي ألا ننظر إلى المباني الأيقونية باعتبارها تكلفة عمرانية فقط. بعضها يمكن أن يكون أصلاً سياحياً يعمل لعقود، وربما لقرون. فالمدن، مثل الشركات، تحتاج إلى علامة تجارية. وأحياناً تكون أفضل علامة تجارية للمدينة مبنى لا يحتاج أحد إلى قراءة اسمه.