التاريخ: 12 تموز/يوليو 2026
في إحدى ورش صناعة النحاس بالعاصمة السورية دمشق، تتحول أغلفة قذائف مدفعية كانت يومًا رمزا للحرب والدمار، وبعضها يعود إلى الحرب العالمية الثانية، إلى أعمال فنية تحمل رسائل سلام وأمل، في محاولة لتحويل ذاكرة الألم إلى مساحة للتأمل في الحياة والمستقبل.
من القذيفة إلى التحفة الفنية
الحرفي أنس المصري قال إنه تعلم المهنة على يد والده منذ طفولته، ويمارس فن الحفر والنقش على النحاس منذ نحو ربع قرن. وأضاف أن أسرته كانت تعمل سابقًا داخل سوق الحميدية، قبل أن تنتقل إلى منطقة باب الجابية، أحد الأبواب التاريخية السبعة التي تحيط بدمشق القديمة.
ويشير إلى أنه في السنوات الأخيرة اتجه إلى استخدام أغلفة قذائف المدفعية القديمة في أعماله الفنية، لافتًا إلى أن إتمام القطعة الواحدة يستغرق نحو أسبوع. وتابع أن أعماله تضم زخارف مستوحاة من ياسمين دمشق، ونقوشًا نباتية، وآيات قرآنية، ونماذج من الخط العربي، إلى جانب الزخارف التقليدية التي اشتهرت بها المدينة.
وبخصوص مشاعره عند العمل على هذه القطع، ذكر أنه يشعر بالحزن عندما يتعامل مع غلاف قذيفة، لأنها كانت في يوم من الأيام أداة استخدمت للقتل وإحداث الدمار. وأوضح أنه اليوم يحاول تحويلها إلى عمل فني يساعد الناس على تجاوز الذكريات المؤلمة كلما نظروا إليه.
ويؤكد أن هذه الأغلفة، التي استُخدمت في الماضي لاستهداف الأطفال والنساء والمدنيين، أصبحت اليوم تحمل رسالة مختلفة، مضيفًا أن الهدف هو أن يرى الناس فيها الجمال والحياة، لا الموت والخراب.
رسالة السلام والأمل
ويقول الحرفي المصري إن الرسالة التي يسعى إلى إيصالها من خلال هذه الأعمال هي نشر السلام، مشيرًا إلى أن أهالي دمشق والسوريين جميعا يحبون السلام أينما كانوا، ويتمنون أن يسود السلام العالم كله.
ويوضح أن الأعمال التي ينجزها لا تهدف إلى محو ذاكرة الحرب، لأن آثارها الإنسانية لا يمكن نسيانها، وإنما تسعى إلى مساعدة الناس على التطلع إلى المستقبل بروح أكثر تفاؤلا. ويضيف أنهم يحاولون تقديم شيء يمنح الناس الأمل، مؤكدًا أن آلام الحرب لا تزول، وجراحها تبقى في القلوب، لكنهم يسعون من خلال أعمالهم إلى غرس الأمل في النفوس.
ويختم بأن هذه الأعمال تهدف إلى إعطاء معنى مختلف لمخلفات الحرب، مؤكدًا أنهم يحاولون تحويل أدوات الحرب إلى رموز للجمال والأمل، لتأكيد أن الإنسان قادر على تجاوز معاناته وبناء مستقبل أفضل.
تراث النحاس وإعادة الاستخدام
من جانبه، يوضح الحرفي باسل بقبو الذي ورث المهنة عن والده وجده أن صناعة النحاس تعد من أقدم الحرف التقليدية في سوريا. ويبين أن هذه المهنة لم تعد تقتصر على صناعة الدلال النحاسية وأباريق القهوة والمواقد التقليدية وبيعها، بل توسعت مع مرور الوقت لتشمل جمع القطع الأثرية وترميمها وإعادة زخرفتها، ثم عرضها مجددا.
ويشير إلى أن الظروف الاقتصادية الصعبة التي عاشتها سوريا خلال سنوات الحرب دفعت كثيرًا من الأسر إلى بيع مقتنياتها القديمة، ما أتاح للحرفيين اقتناء عدد كبير من القطع الأثرية والتحف التاريخية، إضافة إلى أغلفة قذائف قديمة، يعود بعضها إلى الحرب العالمية الثانية.
ويؤكد بقبو أنهم لا ينظرون إلى هذه القطع باعتبارها مجرد منتجات تجارية، موضحًا أن هذه القطع شهود صامتون على الماضي، وكل قطعة يستطيعون الحفاظ عليها تمثل جزءًا من التراث الثقافي الذي ينبغي نقله إلى الأجيال القادمة. ويضيف أن ورشته تضم أيضًا قطعًا نحاسية تعود إلى العهد العثماني، يتجاوز عمر بعضها 250 عامًا.
ويذكر أن فكرة إعادة توظيف أغلفة القذائف في أعمال فنية ليست جديدة في سوريا، بل مارسها حرفيون من أجيال سابقة أيضًا. ويخلص إلى أن كثيرًا ما يُسألون عن مشاعرهم أثناء العمل على هذه القطع، موضحين أنهم لا يسعون إلى تجميل الحرب أو الدمار، بل يحاولون تحويل شيء كان يرمز إلى الموت والألم إلى رمز للجمال والحياة، وإثبات أن الأمل يمكن أن يولد حتى من قلب المعاناة.