شهد اليمن، الخميس، توسعاً ملحوظاً في العمليات العسكرية، إذ تجاوزت المواجهات حدود جبهات القتال التقليدية في محافظتي تعز ومأرب لتصل إلى العاصمة المؤقتة عدن، حيث تعرض القصر الرئاسي (قصر معاشيق) لقصف صاروخي هو الأول من نوعه منذ اندلاع التصعيد العسكري الحالي مطلع يوليو/تموز الماضي.
وفي خضم هذه التطورات، حذرت الأمم المتحدة من تدهور الأوضاع الإنسانية جراء النزاع، معلنة نزوح أكثر من 232 ألف شخص منذ عودة المعارك، وسط استمرار القصف والمخاوف من اتساع دائرة الصراع وتأثيراته على المدنيين في مناطق مختلفة من البلاد.
على الصعيد السياسي، دعت الحكومة اليمنية الاتحاد الأوروبي إلى القيام بدور أكثر فاعلية من أجل الحد من تداعيات التصعيد العسكري المستمر.
استهداف القصر الرئاسي في عدن
وفي ساعات عصر الخميس، شنت جماعة الحوثي هجوماً على قصر معاشيق الرئاسي في مديرية صيرة بعدن، مستخدمة عدداً من الصواريخ الباليستية، وفق ما أفاد به مصدر حكومي وشهود عيان.
وأوضح المصدر الحكومي، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، للأناضول، أن الحوثيين أطلقوا 5 صواريخ باليستية باتجاه القصر، مشيراً إلى أن عدداً من أعضاء الحكومة اليمنية كانوا موجودين داخله أثناء القصف.
وبحسب المصدر، فإن الهجوم أوقع 3 قتلى من جنود حراسة القصر في حصيلة أولية. وفي المقابل، أكد وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، في تدوينة على منصة “إكس”، أن رئيس الحكومة شائع الزنداني وأعضاء الحكومة بخير.
من جانبها، أصدرت جماعة الحوثي بياناً مقتضباً نشرته قناة “المسيرة” التابعة لها، ذكرت فيه أن قواتها استهدفت مقراً للعمليات الحربية داخل قصر معاشيق، زعمت أنه يديره ضباط سعوديون، بالإضافة إلى مخازن أسلحة تابعة لهم، وفق ما نقلته وكالة الأنباء “سبأ” في نسختها التابعة للجماعة عن مصدر عسكري.
ويعد هذا الاستهداف هو الأول من نوعه للقصر منذ تجدد القتال بين الحوثيين والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً منذ يوليو/تموز الماضي.
القوات الحكومية تتصدى لهجمات في تعز
وفي محافظة تعز (جنوب غرب البلاد)، أعلنت القوات الحكومية إفشال هجمات واسعة شنتها جماعة الحوثي على عدة جبهات، بدعم من المقاومة الشعبية والطيران الحربي.
وذكر المركز الإعلامي للقوات المسلحة، في بيان، أن قوات الجيش أجبرت المهاجمين على الانسحاب بعد تكبيدهم خسائر بشرية ومادية، لافتاً إلى أن جبهات غرب مدينة تعز وجنوب المحافظة شهدت أشرس المعارك خلال الساعات الماضية.
وأضاف البيان أن غارات جوية استهدفت تجمعات وأرتالاً ومواقع تمركز للحوثيين، مما أدى، بحسب البيان، إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى وتدمير أو تعطيل عدد من الآليات العسكرية.
وفي وقت سابق، أعلن الجيش اليمني إحباط هجوم للحوثيين على جبل هان الاستراتيجي الواقع غربي مدينة تعز. وقال نائب رئيس شعبة التوجيه المعنوي بمحور تعز العسكري، العقيد عبد الباسط البحر، إن قوات الجيش صدت الهجوم بعد ساعات من المواجهات العنيفة، متهماً الحوثيين بقصف جبل هان والجبهة الغربية والأحياء السكنية المحيطة بالمدفعية الثقيلة والقذائف.
ولم يقدم المسؤول العسكري حصيلة للخسائر البشرية أو المادية، فيما لم يصدر تعليق فوري من جماعة الحوثي.
ويتمتع جبل هان بأهمية استراتيجية كونه يطل على طريق الضباب، المنفذ الحيوي الذي يربط مدينة تعز بمحافظة لحج ومنها إلى العاصمة المؤقتة عدن، كما يشرف على عدة أحياء غربية من المدينة.
قصف صاروخي على مأرب
وفي تطور ميداني آخر، أعلن الجيش اليمني أن جماعة الحوثي استهدفت مدينة مأرب بعدة صواريخ باليستية. وقال المركز الإعلامي للقوات المسلحة، في بيان مقتضب، إن “مليشيات الحوثي الإرهابية تستهدف مدينة مأرب المكتظة بالسكان بعدة صواريخ باليستية”.
ولم يقدم البيان مزيداً من التفاصيل حول حجم الأضرار أو عدد الضحايا، كما لم يصدر تعليق فوري من الحوثيين.
وتعد مأرب من أبرز معاقل الحكومة اليمنية، وتضم مقار وزارة الدفاع وهيئة الأركان، بالإضافة إلى حقول النفط والغاز الأكثر أهمية في البلاد.
انتهاكات حقوقية وحصار في تعز
وعلى الصعيد الإنساني، أعلنت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، وهي منظمة غير حكومية، توثيق 219 انتهاكاً في محافظة تعز خلال 48 ساعة.
وقالت الشبكة إن سبعة مدنيين قتلوا وأصيب تسعة آخرون في حوادث شملت قصفاً لمنازل، وانفجار ألغام أرضية، وحوادث دهس بمركبات عسكرية تابعة للحوثيين.
وأضافت أن الجماعة داهمت وفتشت ونهبت أكثر من 130 منزلاً في مناطق التربة والشمايتين وجبل حبشي، كما اختطفت وأخفت قسرياً 26 شخصاً بينهم أطفال ومسنون ومرضى، ونقلتهم إلى محافظتي إب وذمار.
وأشارت إلى أن قوات الحوثيين أطلقت نحو 377 مقذوفاً باتجاه مدينة تعز، مما تسبب في تضرر 29 منزلاً و18 مركبة خاصة وإثارة حالة واسعة من الخوف بين السكان.
كما اتهمت الشبكة الجماعة بمواصلة فرض حصار مشدد على المحافظة ومنع دخول المواد الغذائية والمشتقات النفطية والأدوية، محذرة من تفاقم الأوضاع الإنسانية.
ولم يصدر تعليق من جماعة الحوثي على ما ورد في تقرير الشبكة الحقوقية.
استعدادات لإدخال المساعدات إلى تعز
في موازاة ذلك، أعلنت السلطة المحلية في محافظة تعز استعدادها لتقديم جميع التسهيلات اللازمة لضمان وصول المساعدات الإنسانية والإمدادات الأساسية للسكان.
وأفادت وكالة الأنباء اليمنية الرسمية “سبأ” بأن لجنة الطوارئ بالمحافظة، برئاسة المحافظ نبيل شمسان، ناقشت تداعيات الحصار على الوضع التمويني ومخزون المواد الغذائية والمشتقات النفطية والغاز المنزلي.
ورحبت اللجنة بجهود اللجنة الدولية للصليب الأحمر الرامية إلى إدخال الإمدادات والمواد الأساسية إلى المدينة، بما في ذلك شحنات الوقود المخصصة لتعز والموجودة في محافظة لحج.
وأكد المحافظ شمسان أن إغلاق الطرق يمثل العائق الرئيسي أمام تدفق الإمدادات، مشيراً إلى استمرار الاتصالات مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لتسهيل مرور المساعدات وانتظار رد الحوثيين بشأن فتح الطرق والسماح بدخولها.
وشددت اللجنة على أن جميع المنافذ الخاضعة لسيطرة السلطة المحلية مفتوحة أمام حركة البضائع والمساعدات، متهمة الحوثيين بمواصلة إغلاق الطرق الرئيسية وعرقلة وصول الاحتياجات الأساسية.
تفاقم الأزمة الإنسانية والأمم المتحدة تحذر
وفي مؤشر على اتساع التداعيات الإنسانية للتصعيد، أعلنت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين أن أكثر من 232 ألف يمني اضطروا إلى مغادرة منازلهم منذ عودة العمليات العسكرية في يوليو/تموز الماضي.
وقالت المفوضية، في بيان، إن أكثر من ثلاثة أرباع الأسر النازحة من محافظة تعز نزحت داخل المحافظة نفسها، داعية إلى حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين.
وأكدت أن آلاف الأسر النازحة تحتاج بصورة عاجلة إلى الدعم والمساعدات الأساسية في ظل تدهور الأوضاع المعيشية واستمرار أعمال القتال.
الحكومة اليمنية تطالب الاتحاد الأوروبي بموقف أكثر حزماً
سياسياً، طالبت الحكومة اليمنية الاتحاد الأوروبي باتخاذ موقف أكثر حزماً تجاه جماعة الحوثي للحد من تداعيات التصعيد العسكري.
جاء ذلك خلال اتصال هاتفي بين وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة وسفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه، وفق بيان لوزارة الخارجية.
وبحث الجانبان التطورات العسكرية في محافظة تعز وآثارها الأمنية والإنسانية، إضافة إلى تداعياتها على الملاحة الدولية وأمن المنطقة.
وقالت الزوبة إن أكثر من أربعة ملايين نسمة في تعز يتأثرون بشكل مباشر بالهجمات المستمرة والحصار المفروض على المدينة، محذرة من نقص الغذاء والمياه والأدوية والوقود، ومن تفاقم أوضاع النازحين.
من جانبه، أكد سيمونيه دعم الاتحاد الأوروبي للحكومة اليمنية واستمرار التنسيق مع الشركاء الدوليين والإقليميين من أجل التخفيف من الأزمة الإنسانية وتعزيز جهود الاستقرار.
وتندرج هذه التطورات ضمن تصعيد عسكري بدأ في يوليو/تموز الماضي، وهو الأوسع منذ الهدوء النسبي الذي شهده اليمن بفضل هدنة بدأت في أبريل/نيسان 2022.
ويشهد اليمن حرباً منذ سيطرة الحوثيين في سبتمبر/أيلول 2014 على صنعاء ومحافظات عدة، قبل تدخل تحالف عربي بقيادة السعودية في مارس/آذار 2015 دعمًا للحكومة اليمنية.
ويسيطر الحوثيون على معظم المحافظات الشمالية والغربية، ومنها صنعاء وصعدة وعمران وذمار شمالاً، والحديدة غرباً، وإب جنوب غرب، والمحويت وريمة شمال غرب، ويفرضون سيطرة جزئية في حجة والبيضاء ومأرب والجوف والضالع وتعز. في المقابل، تسيطر القوات الحكومية وحلفاؤها على العاصمة المؤقتة عدن، ومحافظات المهرة وحضرموت وشبوة وأبين، وغالبية لحج والضالع، وأجزاء من تعز ومأرب والجوف وحجة وصعدة.