انتقل إلى المحتوى الرئيسي
عربي و عالمي

الصورة كقوةٍ في المشهد السياسي: من التوثيق إلى تشكيل الرأي الجماهيري

الصورة كقوةٍ في المشهد السياسي: من التوثيق إلى تشكيل الرأي الجماهيري

تُعَدُّ الصورة اليوم أكثر من مجرد وثيقة بصرية تُلتقط وتُحفظ؛ فقد تحولت إلى عنصر فاعل في بناء الوعي العام وتوجيه مسار الرأي الجماهيري. إذ لا تقتصر وظيفتها على التسجيل الصامت للواقع، بل تُستَخدم لتفسير الأحداث، توقع تطوراتها، وتحفيز تحركات الشارع عندما تتقاطع مع عواملٍ تُثير الجماهير ضمن أجواءٍ معينة.

الصورة كأداة ضغط على السلطة

أصبح للصور القدرة على إيقاع السلطات في مواقف تتطلب الدفاع أو التبرير، وهو ما تجلّى في الحادثة التي تورطت فيها رئيسة وزراء إيطاليا مع الرئيس الأمريكي السابق. فقد صرح الرئيس دونالد ترامب بأن إيلينا ميلوني طلبت منه التقاط صورة مشتركة، وهو ما نكرتَه الأخيرة في مقطع فيديو انتشر على الإنترنت. وعلى الرغم من إنكار ميلوني، أصر ترامب على روايته، لتصبح القضية حديثاً واسعاً في الصحف ووسائل التواصل.

رؤية الصورة ومنظورها

يؤكد الكاتب والنقاد الإنجليزي جون برجر أن كل صورة تحمل منظوراً خاصاً؛ فالمصور يختار الزاوية واللحظة والموضوع من بين عدد لا يحصى من الاحتمالات، ثم يضيف إلى ذلك عملية التحرير التي تُشكِّل الرسالة النهائية. لهذا السبب لا يمكن اعتبار الصورة سجلاً محايداً أو آلياً، بل هي نتيجة اختيار واعٍ يهدف إلى نقل فكرة أو إثارة رد فعل.

صورٌ أصبحت رموزاً في أزماتٍ تاريخية

في خضم أزماتٍ سياسية كبرى، تتحول الصورة إلى شهادةٍ حية ووقودٍ للضغط الجماهيري. مثال ذلك الصورة الشهيرة للفتاة الفيتنامية التي نجت من قصف نابالم عام 1972، والتي أطلقت عليها مؤسسة World Press Photo لقب “The Terror of War”. صوّرت الفتاة كيم فوك عارياً وسط الدمار، ما حول النقاش حول الحرب إلى صراعٍ إنسانيٍ ملموس، رغم أن الصورة لم تُنهِ الصراع بحد ذاتها.

وبالمثل، ارتبطت لقطة رجل صيني يواجه صفاً من الدبابات في ميدان تيانانمين عام 1989 بشعار المقاومة الفردية ضد العنف الرسمي، وفق ما نشرته مجلة Time. لم تُظهر الصورة تفاصيل الخلاف أو أسبابه، لكنها اختزلت المشهد إلى رمزٍ عالمي يُذكر العلاقة غير المتكافئة بين المواطن والدولة.

الصورة كأداة مساءلة وكذبٍ محتمل

في فضيحة سجن أبو غريب أو صور جيفري إبستين التي انتشرت في الولايات المتحدة، لعبت الصور دوراً في تحويل الشكوك إلى دليلٍ بصريٍ صادمٍ دفع بالتحقيقات إلى الظهور. وهنا برزت الصورة كوسيلة للرقابة، تكشف ما تسعى المؤسسات إلى إخفائه.

لكن لا يجوز اعتبار الصورة دوماً بريئة. فبعضها يُقَطَّع عن سياقه أو يُستَغل للدعاية أو يُزَيَّف بطرقٍ تقنية كالتزييف العميق. مثال ذلك ما حدث مع الرئيس ترامب ورئيسة الوزراء الإيطالية، حيث سُيِّلت صور غير أخلاقية باستخدام الذكاء الاصطناعي، ما أثار قلقاً عالمياً حول مصداقية المحتوى المرئي.

ووفقاً لتقرير معهد رويترز للصحافة لعام 2024، ارتفعت حالات التزييف الرقمي للصور إلى مستوياتٍ مقلقة؛ حيث أبدى 59 ٪ من المستجيبين في دول متعددة مخاوفهم من صعوبة التمييز بين الحقيقي والمزيف في الأخبار الرقمية، معتبرين أن المعلومات المضللة تشكل أكبر خطرٍ على المدى القريب.

إذن، لا يمكن قياس قيمة الصورة بوقت التقاطها فقط، بل بأثرها المتسلسل، من يفسّرها ومن يستخدمها في الساحة السياسية. فالصورة ليست مجرد خبرٍ صائب أو صورةٍ بارزة؛ بل هي جزء من بنية الأزمة نفسها. قد تُفقد مصداقيتها إذا فُصلت عن الحقيقة أو استُخدمت لتجنّب العواطف وتجنيد الجماهير. لذا، يستدعي التعامل الواعي مع الصورة طرح سؤالين أساسيين: ما الذي تُظهره الصورة، وما الذي قد تخفيه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني