انتقل إلى المحتوى الرئيسي
عربي و عالمي

رسالة إلى المسؤول بين الرؤية والمرآة

رسالة إلى المسؤول بين الرؤية والمرآة

إن العوائق التي تعترض سير العمل داخل المؤسسات لا تكمن دائماً في قلة التشريعات أو النصوص، بل تتعلق أحياناً بنقص الروح التي تتولى تنفيذها. فالنظام العادل قد يُستولى عليه من قبل من لا يملك العدالة، فيتحول من معيار إلى أداة، ومن قيمة إلى وسيلة، ومن دعوة إلى إجراء خالٍ من أي حيوية.

المبادئ لا تضمنها الأوراق فقط

من المثير للقلق أن بعض المبادرات الإصلاحية لا تفشل على يد معارضيها، بل بسبب من يرفعون رايتها. ليس كل من يعتنق فكرة ما يصدقها بصدق، ولا كل من يتحدث باسم العدل يعيشه على أرض الواقع، ولا كل من يمتلك صلاحية اتخاذ القرار يملك الضمير الذي يوازي حجم تلك الصلاحية.

الإضاءة غير كافية في كل الزوايا

كم من قائد ظن أن الضوء قد وصل إلى جميع الأنحاء، في حين ظلت بعض الممرات غارقة في الظلام. كم من خطة صُغت بعناية ثم أعيد رسمها وفق مقاييس شخصية، وكم من جهد بُذل لتثبيت ميزان مستقيم قبل أن تتسلل أهواء البشر وتضغط بأصابعها الخفية على أحد كفتيه.

الأثر الحقيقي يتجاوز اللوائح

قد ينجح الإنسان في إبهار اللوائح وتجميل الأرقام، لكنه لا يستطيع إخفاء البصمة التي يتركها في حياة الآخرين. فالمؤسسات لا تُقاس فقط بما تُدونه وثائقها، بل بما يشعر به الموظفون عندما يغلقون مكاتبهم في نهاية اليوم. هناك أشياء لا تظهر في الإحصاءات ولا تُقاس بالكفاءة عندما تُدفع إلى الخلف، ولا تُظهر الإنصاف عندما يطغى المجامل، ولا تُظهر الإحباط عندما يصبح الاجتهاد أطول من التملق، ولا تُظهر الصمت الثقيل الذي يختاره البعض عندما يدركون أن أصواتهم لا تُسمع بوضوح.

الخطر الحقيقي يكمن في تحويل المنصب إلى امتياز

الأخطاء الإدارية العابرة جزء من الطبيعة البشرية ولا تشكل تهديداً جوهرياً. الخطر الحقيقي يظهر عندما يتحول المنصب من مسؤولية إلى امتياز، ومن أمانة إلى ملكية خاصة، ومن موقع لخدمة الصالح العام إلى مساحة ضيقة تدور حول الأشخاص لا حول المبادئ. عندها تبدأ المؤسسة في فقدان ما لا يُرى بالعين المجردة: روحها وثقة الموظفين التي تجعل الجهد يُقاس بمعيار موحد.

العدالة ليست بنداً في لائحة، بل مناخاً يتنفسه الكيان. إذا اضطرب هذا المناخ، قد تبدو الأوراق سليمة، لكن الأرواح التي تعمل خلفها تبدأ بالذبول. المسؤول يشبه صاحب المرآة الكبيرة؛ يرى الصورة المنعكسة لكنه لا يدرك دائماً ما إذا كان الزجاج نفسه مشوّهًا.

لذا، كانت أعظم القيادات عبر العصور هي التي لم تكتفِ بمراقبة الصورة، بل سعت إلى سلامة المرآة نفسها. الحقيقة لا تضيع عند مصدرها، بل قد تُفقد عند من ينقلها. العدل لا يُهزم أمام الظلم الصريح فحسب، بل أمام من يخفون ميولهم. والإخلاص لا يتأذى إلا بالادعاء.

ليس كل من يتحدث باسم المؤسسة يجسد قيمها، ولا كل من يرفع شعاراتها يحمل جوهرها. النجاحات لا تنهار عندما يقل عدد المخلصين، بل عندما تتشابه الوجوه ويصعب التمييز بين من يخدم الفكرة ومن يستخدمها، وبين من يحمل الأمانة ومن يحمل شكلها فقط.

إن الرهان الحقيقي في أي مشروع إصلاحي يرتكز على الإنسان: على الضمير قبل الصلاحية، وعلى النزاهة قبل النفوذ. يمكن للسلطة أن تمنح منصباً، لكنها لا تمنح ضميراً؛ ويمكن للقرارات أن تحدد الطريق، لكنها لا تضمن سلامة السائرين فيه. الثقة بالمسؤول تزدهر عندما يفتح النوافذ لصوت الواقع، كما يفتح الأبواب لصوت التقارير. فالفجوة بين التخطيط والنتيجة ليست دوماً مسافة قرارات، بل مسافة بشرية، ومن خلالها يتحدد مصير الأفكار؛ إما أن تصل كما وُلدت نقية وعادلة، أو أن تتبدل ملامحها إلى حد لا يُعرف فيها صاحبها الأصلي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اشترك في نشرتنا الإخبارية

احصل على آخر الأخبار مباشرة في بريدك الإلكتروني