أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية، الثلاثاء الماضي، فرض عقوبات مالية تزيد قيمتها الإجمالية عن 1.21 مليار دولار على بنك أوف أمريكا، ثاني أكبر مؤسسة مصرفية في الولايات المتحدة. تأتي هذه العقوبات على خلفية إخفاقات واسعة في أنظمة البنك الخاصة بمكافحة غسل الأموال ورصد المعاملات المشبوهة، بالإضافة إلى انتهاكات للعقوبات الاقتصادية الأمريكية. وتعد هذه الإجراءات واحدة من أكبر الخطوات التنظيمية التي تتخذها الوزارة بحق بنك تجاري.
أكبر غرامة في تاريخ مكتب مراقب العملة
أوضحت الوزارة في بيانها أن العقوبات المالية تمثل ثالث أكبر إجراء من نوعه في تاريخها من حيث القيمة. وتتضمن أكبر غرامة مدنية يفرضها مكتب مراقب العملة الأمريكي (OCC)، والتي بلغت 750 مليون دولار. وجاءت هذه الغرامة بعد أن كشفت التحقيقات عن قصور مزمن في أنظمة الرقابة الداخلية للبنك، مما أدى إلى عدم الإبلاغ في الوقت المناسب عن معاملات مشبوهة تجاوزت قيمتها خمسة مليارات دولار.
وأشار مكتب مراقب العملة إلى أن أنظمة مراقبة المعاملات لدى البنك فشلت في متابعة عمليات مالية تبلغ قيمتها تريليونات الدولارات بشكل مناسب، مما أسفر عن تقديم بلاغات متأخرة عن معاملات مشبوهة بمليارات الدولارات. وأكد المكتب أن البنك كان على علم منذ سنوات بوجود مشكلات جوهرية في آليات رصد الأنشطة المشبوهة، لكنه لم يتخذ الإجراءات الكافية لمعالجتها، حتى بعد صدور أمر تنظيمي بحقه في ديسمبر 2024 يلزمه بإصلاح أنظمة الامتثال. وتُحتسب غرامة مكتب مراقب العملة البالغة 750 مليون دولار ضمن عقوبة شبكة مكافحة الجرائم المالية البالغة 1.2 مليار دولار، ولا تُضاف إليها بالكامل.
إخفاقات في الإبلاغ عن معاملات مشبوهة بقيمة 5 مليارات دولار
كشفت شبكة مكافحة الجرائم المالية الأمريكية (FinCEN) أن البنك أخفق في الإبلاغ عن معاملات مشبوهة تزيد قيمتها على خمسة مليارات دولار. ومن بين هذه المعاملات، أكثر من مليار دولار مرتبطة بمخاطر تمس الأمن القومي وأولويات مكافحة التمويل غير المشروع. وشملت المعاملات مؤشرات على أنشطة مرتبطة بشبكات صينية لغسل الأموال، وعمليات احتيال، واحتمالات غسل أموال عبر التجارة، خاصة في المناطق المرتبطة بالحدود الجنوبية الغربية للولايات المتحدة.
وبحسب التحقيقات، اعتمد البنك بصورة مفرطة على استفسارات جهات إنفاذ القانون والمؤسسات المالية الأخرى لاكتشاف الأنشطة المشبوهة، بدلاً من الاعتماد على أنظمة رقابة داخلية فعالة. وقد تسبب هذا النهج في تأخر التحقيق في عدد كبير من المعاملات والإبلاغ عنها. وأقر البنك، ضمن التسوية مع الجهات التنظيمية، بارتكاب انتهاكات متعمدة لقانون السرية المصرفية الأمريكي، وعدم الالتزام بمتطلبات أساسية لمكافحة غسل الأموال.
تسوية مخالفات العقوبات المفروضة على روسيا وإيران
في إجراء منفصل، وافق البنك على دفع 11.6 مليون دولار لتسوية مسؤوليته المحتملة عن 475 مخالفة ظاهرة لبرامج العقوبات التي يديرها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC). تضمنت المخالفات معالجة مدفوعات عبر بنوك خاضعة للعقوبات، والسماح بتنفيذ معاملات لأشخاص مدرجين على قوائم الحظر، والتأخر في تحديث قوائم العقوبات. وشملت البرامج المتأثرة عقوبات تستهدف روسيا وإيران وبيلاروس وميانمار والصومال، إلى جانب العقوبات المرتبطة بالمخدرات والإرهاب الدولي. وأرجعت السلطات جانباً من هذه المخالفات إلى أخطاء تقنية وبشرية وقصور في إعداد أنظمة مراقبة المدفوعات.
إلزام البنك بمراجعة معاملاته السابقة
ألزمت الجهات التنظيمية الأمريكية بنك أوف أمريكا بالاستعانة بطرف مستقل لإجراء مراجعة للمعاملات السابقة، بهدف تحديد العمليات المشبوهة التي لم تُكتشف أو لم يُبلّغ عنها نتيجة أوجه القصور التي كشفتها التحقيقات. كما سيخضع البنك لمراجعة مستقلة لتقييم فعالية أنظمة مراقبة المعاملات، وإجراءات التحقق من العملاء، والعلاقات المصرفية مع المؤسسات الأجنبية، وإدارة البيانات المستخدمة في مكافحة غسل الأموال. وستركز المراجعات بصورة خاصة على المخاطر المرتبطة بتمويل تجارة المخدرات وشبكات غسل الأموال والأنشطة المالية المتعلقة بإيران وروسيا.
البنك يقر بالمسؤولية ويؤكد تطوير أنظمة الرقابة
من جانبه، أكد بنك أوف أمريكا التزامه بمعالجة أوجه القصور التي حددتها الجهات التنظيمية، مشيراً إلى استثمار مليارات الدولارات في التقنيات وتخصيص آلاف الموظفين لمكافحة الجرائم المالية. وأوضح متحدث باسم البنك أن المؤسسة قطعت شوطاً كبيراً في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، وأنها ملتزمة باستكمال الإجراءات التصحيحية. وأشار البنك إلى أن نتائج أعماله للربع الثالث ستتضمن تكلفة استثنائية غير قابلة للخصم الضريبي تبلغ نحو 1.2 مليار دولار، يُتوقع أن تخفض صافي أرباحه بنحو 17 سنتاً للسهم. وتأتي هذه العقوبات في إطار تشديد الرقابة الأمريكية على التزام المؤسسات المالية الكبرى بقواعد مكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة، وسط تحذيرات رسمية من أن ضعف أنظمة الامتثال المصرفي قد يعرض النظام المالي الأمريكي لمخاطر أمنية واقتصادية واسعة.